الأذى ، وابتلوا أعظم البلاء ، فصار يعرض نفسه على القبائل في الحج يطلب حمايته ليبلِّغ دين الله ، وقصد الطائف لعله يجد بغيته ، فرجع مُدمى القدمين طريداً ، وحوصر وأصحابه وأنصاره في الشعب ثلاث سنين حتى أكلوا أوراق الشجر من الجوع . ويعاني الصحابة من صنوف البلاء وألوان الشدائد
ما لا يخفى ، ويواجه بعضهم الموت كآل ياسر وخباب وبلال .
ويخرج بعض أصحابه إلى الحبشة طلباً للنصرة ، ويصبرون على مفارقة
الأهل والأولاد والأوطان ، ويتسامعون بإسلام بعض الصناديد المشركين ، فيعود
بعضهم إلى مكة ليجدوا أشد مما كانوا يعانون ، ثم يعودون ثانية إلى الحبشة ، ومعهم
آخرون في رحلة عناء أخرى . ثم يأذن الله بالهجرة إلى المدينة ، ويهاجر صلى الله
عليه وسلم وسائر أصحابه ، ثم يكابدون الغربة ، وكثرة الأعداء ، وأذى المنافقين
واليهود ، وقتال الأهل والعشيرة .
وقد كان لكثير من أصحابه صلى الله عليه وسلم رضي الله عنهم صفحات
طويلة من البذل والتضحيات ، فيهجر مصعب رضي الله عنه النعيم والدعة ويهاجر
داعية إلى الإسلام في المدينة ، ويعرِّض علي رضي الله عنه نفسه للهلاك بنومه في
فراش النبي صلى الله عليه وسلم عشية الهجرة ، ويرمي البراء نفسه بين الأعداء
في حديقة الموت فيفتح الله للمسلمين بسببه ، ويُعرِض أبو الدرداء عن التجارة
تفرغاً لمجالسة النبي صلى الله عليه وسلم ، ويتقبل خالد بن الوليد التنازل عن
منصبه طاعة لأمير المؤمنين ، ويتنازل أبو عبيدة عن إمرة الجيش لعمرو بن
العاص جمعاً لكلمة المسلمين ، ويرفض الحسن بن علي الخلافة درءاً للفتنة وجمعاً
للكلمة ، ويقبِّل عامر بن عبد الله رأس زعيم الروم المشرك ليعتق له أسرى
المسلمين ... [11] .
ولم يخلُ تاريخ النساء العظيم من روائع بالجود والتضحية ؛ فقد ضحت أم
سلمة بشمل الأسرة ، وتحملت فراق الزوج والولد في سبيل الهجرة ، ولا يخفى جهد