صدورهم ، والأسئلة في عقولهم ، يغيب عنهم وعن زوجته ليحل محله يأس طاغ ،
أو رفيق سوء باغ ، أو جلوس إلى قنوات فضائية تتسمر أعينهم في صورها ،
يلتهمون سمها الزعاف وفكرها القاتل .
- لم تفهم الترفيه استقالة من معالي الأمور ، وانتحاراً بطيئاً غير مباشر من
تبعات الحياة ، حتى صار هؤلاء القوم يقدمون الاستراحة على البيت ، وروادها
على الأسرة ، والحياة الهاربة من كل التزام جاد على الحضور الذي تتحقق به ومعه
أهداف الحياة ، حتى إن بعضهم ليحسب أنما خلق عبثاً للعيش بلا دور سوى
حضور باهت على هامش الحياة معطلاً فيه عقله ، معلقاً رجولته بخيوط العجز
واللامبالاة ، مؤكداً حضوره بتثاؤب مكدود ، عيناه باتتا موانئ للذباب ، وروحه
ملاعب لجيوش اليأس والإحباط .
- لم تفهم الترفيه سخرية لاذعة من الإصلاح والمصلحين ، والجد والجادين ،
بل رأت في الترفيه والسمر فرصاً لرفعه إلى مستويات الجد من خلال دعاء لحاكم
ومحكوم بالتوفيق والنجاح ، أو من خلال جمع بعض المال تفك به أزمة مأزوم ، أو
بالتداول في طرائق النصح لمنحرف ضل الطريق ، وهكذا كانت أوقات الترفيه
استمراراً لأوقات الجد واستكمالاً لساعات العمل .
إذا كان الناس يتداعون لشهود صلاة الجنازة على ميت مات فما العمل إزاء
شريحة كبيرة من أفراد الأمة باتوا أحياءاً أمواتاً ، وأصبحوا حاضرين غائبين ،
همشوا أنفسهم ، أو همشتهم ثقافة الإقصاء التي تجرعوها ، توارثوها من أسر لا
تمسك علماً ، ولا تنبت قيماً .
شريحة تعيش في الحضيض ، وإخوانهم من شياطين الجن والإنس يمدونهم
بالغي ثم لا يقصرون ، يوهمونهم أنهم يحسنون صنعاً ، وأنهم في قلب الحياة ،
والحق أنهم لم يدخلوها إلا بشهواتهم ، ولم يحضروا إلا في أطرافها النائية .
هل هؤلاء الذين ارتضوا من الغنيمة بالإياب ، ومن الحياة بالفتات ؟
هل هؤلاء ضحايا أم خاطئون ؟ برءاء أم مسؤولون ؟
هل هم نتاج الثقافة الزائفة ؟