قال البخاري - رحمه الله - : كنت عند إسحاق بن راهويه ، فقال رجل من
أصحابنا : ألا تعملون كتاباً يجمع الأحاديث الصحاح ؟ - ولم يكن قبل ذلك كتاب
يجمع الصحاح فقط - فكانت فكرة لي حتى كتبت الصحيح . أ . هـ .
تأمل أخي الكريم ! كيف أن البخاري ألف كتاباً سارت به الركبان وشرقت
وغربت ، كانت بدايته بداية بسيطة كبداية أي عمل ، إنها فكرة ، وكم قدم البخاري
بعد هذا باستغلال الفكرة ! ولذا فلا بد من استغلال الأفكار الإبداعية كما استغلها
البخاري - رحمه الله - . إن أكثر الناجحين من العلماء أو المفكرين أو الأثرياء
والمبدعين إنما تميزوا باستغلال الأفكار الإبداعية .
وقرر علماء النفس والإدارة أنه لا بد من أن يجعل الإنسان لنفسه وقتاً خاصاً
للتفكير ولو كانت دقائق معدودة أو ثواني محدودة .
ومن الملاحظ أن الإنسان كثيراً ما يستخدم حواسه ويستخدم جوارحه ؛ ولكن
غالباً ما يكون معطلاً للعقل إلا في التفكير الساذج . إما في عيش البهمية ?أولئك
كالأنعام بل هم أضل? ﴿الأعراف : 179﴾ أو حياة الذل والهمجية ، ولو رجعتُ بك
قليلاً لتقليب صفحات الذكريات وشريط الحياة لأقول لك : يا تُرى ! كم قدمت لأمتك
ولدينك من خلال تفكيرك ؟ لذهلت ولرأيت أمراً عجباً ؛ فتأمل هنا لترى حقاً ذلك
الوضع البئيس الذي نعيشه ويعيشه معظم المسلمين اليوم ، ومع كل هذا التعطيل
لملكة التفكير ففي المقابل يستطيع البشر أن يقيدوا الأيدي والأرجل بالسلاسل
والأغلال وأن يكمموا الأفواه ولكن لا يستطيعون أبداً أن يعطلوا عقلك عن التفكير
إلا بإذهاب عقلك .
أخي الحبيب ! أضرب لك مثالاً مشاهداً ملموساً يعقله كل ذي عقل وبصيرة أو
من ألقى السمع وهو شهيد : شيخ الإسلام ابن تيمية ذلك الرجل الذي استحق لقب
شيخ الإسلام ، سجنه أعداؤه في سجن القلعة في دمشق لما رأوه ينكر المنكر ويعرِّف
بالمعروف ، وعُذِّب وأوذي في الله وابتلي ليخرج مؤمناً حقاً شيخاً جليلاً .