رسول الله ! وقال الآخر مثله ، فقال : ( إنا لا نولِّي هذا من سأله ولا من حرص
عليه ) [2] .
وأخبر أن الأمة ستحرص عليها وأنها ستكون خزياً وندامة ، فقال : ( إنكم
ستحرصون على الإمارة ؛ وستكون ندامة يوم القيامة ؛ فنعم المرضعة ، وبئست
الفاطمة ) [3] .
لذا دأب الصالحون والمخلصون على البعد عن تولي المسؤوليات والولايات
لما يعلمون من أنها مغرم لا مغنم ، وهذا أمارة خير بإذن الله - عز وجل - لكن
بعض الناس قد يمتد الأمر لديه فيؤدي إلى وقوعه في محظور آخر .
وكثيراً ما يحجم بعض الصالحين عن تولي المسؤوليات والأعباء الدعوية ،
ودافعهم إلى ذلك الورع والبعد عن الشهرة - نحسبهم كذلك والله حسيبهم - وهو
مسلك حسن .
لكنه يتحول عند بعضهم إلى سلوك يسيطر عليه ، فيعتذر عن تولي أي
مسؤولية أو القيام بها ، ويظن أن هذا أسلم له وأنه يعفيه من التبعة ، وليس الأمر
كذلك ؛ فلو أنه جلس قعيد بيته ، واشتغل بشأنه الخاص أتراه يسلم من التبعة
والأمانة ؟
إن مسؤولية حمل الدين وتبليغه أمانة شرعية حمَّلها الله - تبارك وتعالى -
عباده ؛ فقد أوجب عليهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، بل جعله مع الإيمان
مناط خيرية هذه الأمة . ويرد في مواطن كثيرة ضمن صفات المؤمنين أنهم يأمرون
بالمعروف وينهون عن المنكر ، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم أضعف الإيمان
أن ينكر المرء المنكر بقلبه ، وأنه ليس وراء ذلك حبة خردل .
ومن يتأمل واقع الأمة اليوم وغلبة الجهل ، وفشوَّ المنكرات ، وبُعْدَ الناس عن
الدين فإنه لا يشك أن الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قد غدا
فرض عين على كل مسلم قادر ، فضلاً عمن آتاه الله شيئاً من العلم والوعي
والبصيرة .
وثمة أمر آخر هو أن كثيراً من هذه المسؤوليات والأعمال التي يحجم عنها
هؤلاء ليس فيها مغنم في الدنيا ولا أمر يُسعى إليه ، بل هي تعاون على البر