اما عوامل استمرار المذهب الشيعي في جبل عامل وديمومته، فيرى المؤلف ان احدها كان ان "وجود النظام الاقطاعي في هذه المنطقة والبعد النسبي لجبل عامل عن مراكز السلطة وقلة مصادر الثروة الاقتصادية في هذه المنطقة، جعل حكام المدن الكبيرة لا ينظرون الى سكان هذه المنطقة كمصدر تهديد سياسي لهم، لهذا لم يفكروا في بسط سلطتهم المباشرة عليها، الامر الذي اتاح للاقطاع المحلي ادارة شؤون المنطقة بنفسه" (ص62).
ويتحدث الكاتب في هذا الفصل عن العلامة محمد بن مكي بن محمد بن حامد الجزيني، المعروف بـ"الشهيد الاول"، كمنظّر وقائد للنهضة العلمية الشيعية في جبل عامل. ويحاول الكاتب ايجاد سبيل لاثبات ان "الشهيد الاول" كان قد طرح موضوع ولاية الفقيه، في ثنايا فتاواه وافكاره، وحيث لم يجد نصاً صريحاً او فصلا خاصاً في هذا الصدد في اي من مؤلفات الجزيني لجأ الى الاستنتاج بأن بعض فتاوى "الشهيد الاول" لا يمكن ان تأتي الا في اطار ولاية الفقيه. وتاليا فانه كان "يتصرف كنائب عن الامام المهدي المنتظر. اذ كان يعتبر ان عملية جمع الخمس والزكاة هي من واجبات نائب المهدي".
الجزيني يرفض الذهاب الى ايران:
يقول المؤلف (ص74) ان "الشهيد الاول" رفض دعوة من علي مؤيد، آخر حكام مجموعة السربداران، الذين اقاموا حكومة في خراسان خارجة عن حكم المغول. وكان مؤيد يؤمن بالمذهب الشيعي ويعمل بجهد لترسيخ اسس هذه العقيدة، فعمد الى دعوة العلماء والفقهاء الشيعة من المناطق كافة، للمجيء الى خراسان لترسيخ البعد الفقهي للمدرسة الصوفية المعروفة انذاك وفي هذا السياق، بعث برسالة ومعها نسخة من القرآن الكريم، الى "الشهيد الاول" يدعوه فيها للقدوم الى خراسان، ليستمد الشيعة هناك من علمه وفضله.
يقول المؤلف ان محمد بن مكي الجزيني (الشهيد الاول) امتنع عن تلبية الدعوة، لكنه ارسل له كتابه "اللمعة الدمشقية" ليكون دليلاً فقهيا يستند اليه الشيعة في خراسان.