ولا يرى بأساً أن يحفظ عنه التَّاريخ كلمةً كان يرسلُ بها إلى أحمد رحمه الله: "أنتُم أعلم بالحديث والرِّجال، فإذا كان الحديث الصَّحيح فأعلموني به أيَّ شيءٍ يكون؛ كوفيَّاً أو شاميَّاً، حتى أذهب إليه إذا كان صحيحاً"(39).
هذا -وربِّ الأرض والسَّماء- هو العلم الذي يُعرف به لحامليه قدرُهم، ويَعرف حاملوه به أقدارَهم، وحُقَّ لكلِّ واحدٍ منهم أن يقول في نفسه لنفسه: ما رأيت مثل نفسي!! من باب الاعتراف والإقرار بنعمة الله عليه، لو كان يقول!
فهل يَضيرُ هؤلاء الجبال أن يقال فيهم بَعد القرون الطِّوال التي ظلَّت تَفترُّ ثغورُها بكلماتهم العِذاب: إنَّ فلاناً أخطأ في كذا، أو لم يصب في كذا، أو لو أنَّه قال كذا لكان أحسن وأفضل؟
هؤلاء ليسوا كمن أتى من بعدهم؛ ممَّن ألفَوْا أنفسهم أُسارى التَّقليد الأعمى، فإنَّ قول أحد من النَّاس من بعدهم في واحدٍ منهم: أخطأ في كذا، كقوله: أصاب في كذا. فلا يُفرحه ثناءٌ، ولا يُغضِبه تخطئةٌ، إنَّهم جبالٌ، جهابذةٌ، عقولٌ ضخمة، أتقياءُ، أفذاذٌ، ورثوا عن الصَّحابة كلَّ فضائل النَّفس، وعلموا منهم أنَّ: نصف العلم لا أدري.
وإذ ذلك كذلك؛ فلا جَرَم أن يَتركوا من بعدهم للأُمَّة كلماتٍ برَّؤوا فيها أنفسهم من تَبِعَةِ الخطأ الذي كان باجتهادهم، فما حملوا فيه وزراً، ولا أصابوا منه ذَنباً، بل إنَّهم أحسَنوا فيه صُنعاً، ونالوا بِهِ أجراً: "إذا اجتهدَ الحاكم فأصَاب كانَ لهُ أجران، وإذا اجتَهَدَ فأخطأ كانَ له أجر"(40).
فهذا أبو حنيفة رحمه الله يقول: "إذا صَحَّ الحديث فهو مذهبي"، ويقول أيضاً: "لا يحِلُّ لأحدٍ أن يأخذَ بقولنا ما لم يعلم من أين أخذناه"، وفي رواية: "حرامٌ على من لا يعرف دليلي أن يفتي بكلامي، فإنَّنا بشرٌ نقول القول اليوم ونرجع عنه غداً".