وهنا أسأل هؤلاء: ماذا يقولون في الصَّحابة الذين ما كانوا فقهاء إلاَّ بالسُّنَّة؟ وماذا يقولون في الأئمَّة الأربعة الذين ما لانت لهم قناة العلم إلاَّ بالسَّنَّة وعلومها، ولا أمسكوا بزمام علم الأُصول، -أُصول الفقه- إلاَّ بإحاطتهم بالسُّنَّة، ودرايتهم بدلالات نصوصها؟ وكما كان يُعذر بعضُ الصَّحابة في اجتهادهم الذي يخطئون به، فيؤجَرون أجراً واحداً -وبخاصَّة إن كانوا بعيدين من رسول الله صلى الله عليه وسلم- فإنَّ إماماً كأبي حنيفة رحمه الله تعالى -وقد أنعم الله عليه بملكة علم فاذَّة- يُعذر أيضاً في اجتهاده الذي كان واجباً عليه به أن يقول للنَّاس ما يبدو له من وجه الحقِّ فيه -وإن أخطأ وله بخطئه أجرٌ- وإن لم تكن بين يديه نصوص السُّنَّة كما صارت بين يدي مَن بَعده من الأئمَّة المُجتهدين.
ولا يفوتنا أن نذكر هنا أيضاً؛ أنَّ وفرة النُّصوص من السُّنَّة قد لا يدركُ بها المجتهد مرتبة مجتهد آخر، ليس لديه ما لدى الأوَّل من النُّصوص.
فالإمام الشَّافعي رحمه الله تعالى كان أعلى مرتبة في الاجتهاد من الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ومعلوم أنَّ الإمام أحمد كان أوفر وأكثر حفظاً للسُّنَّة من الإمام الشَّافعي رحمهما الله تعالى.
ولكن نزول درجة الإمام أحمد عن درجة الشافعي -رغم أنَّ الأوَّل أكثر حفظاً من الثَّاني- ونزول درجة الإمام أبي حنيفة -لغياب نصوص السُّنَّة عنه لعدم تدوينها في زمانه- عَن درجة الإمام مالك مثلاً؛ ما كان ليَغُضَّ من قَدر أحمد ولا من قدر أبي حنيفة، بل يكون كلٌّ منهما مُطَّرَحَ ثناءِ من ملأ ا لأرض علماً -وهو الإمام الشافعي- حيث يقول في أبي حنيفة رحمهما الله: "النَّاس عيالٌ على فقه أبي حنيفة".