كان الصَّحابة رضوان الله عليهم جميعاً -سواءٌ أكانوا على قرب من النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم أم كانوا على بُعدٍ منه- لا تنزل بهم النَّازلة، ولا تحدُث فيهم الحَادثة، ولا تأتي عليهم الآتية؛ إلاَّ وعقولهم وأسماعُهم وألسنتهم مشدودةٌ مَوثوقةٌ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، تأخذ منه حكم الله عزَّ وجلَّ من آيةٍ أو من كلمةٍ منه، أو من فعلِ يَفعله، يعرفون ذلك منه مشاهدةً ورؤيةً، أو سماعاً وتلقِّياً من بعضهم البعض، حتَّى إنَّ الواحد منهم لينصرف عن النَّبي صلى الله عليه وسلم -أو عن أخيه الَّذي سمع منه وتلقَّى عنه- إلاَّ وما أخذه أو تلقَّاه عملٌ تتحرَّكُ به جوارحه، وِعلمٌ يجري به لسانه تعليماً بأمر أو بنهيٍ، ودعوةً إلى التَّوحيد والشَّريعة في البادية والحَضَر.
وكانت الآية أو السورة من القرآن تنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا تقع من لسانه -وهو يتلوها- على مسامع أصحابه؛ إلاَّ وهي على قلوب خضَّلها الإيمان، فَتُيْنَعُ ثَمراتٍ شهيَّةً دانيةً، تتدلَّى بها أماليدُها الخُضر، فلا يُصيب منها واحدٌ ممن لم يكونوا شاهدين نزولها، إلاَّ وهي مُسرعةٌ إلى صدره نوراً مُبيناً، وإلى عقله علماً نافعاً، وإلى جوارحه سلوكاً حميداً.
إذاً؛ فهل لكلِّ من أتى من بعد هؤلاء الصَّحابة رضي الله عنهم أن يرى لغيرهم سبيلاً عليه بفضلٍ من علم أنشأ في عقله معرفةً راشدةً، أو في قلبه هدايةً مُشرقةً، أو في جوارحه سُلوكاً مُهذَّباً؟!
إنه إن يرى ذلك لغيرهم؛ فهو على غير هدىً، ولا على علم، ولا على كتابٍ مبينٍ، لأنَّه يعرف الفضل -بما أفضل الله به عليه من نعمة العلم والهدى والعمل- لأهل الفضل أوَّلاً وآخراً لله سبحانه، والبشر إنَّما هم أدواتٌ صالحةٌ إن سُخِّرت للخَير، وفاسدةٌ إن سخِّرت للشَّرِّ.