وتذكيراً منِّي لشبابِ الإسلام وشيوخه، وعلمائه ودعاته، وأوليائه وأعدائه معاً، أودُّ أن أذكِّرهم بحقيقة من الحقائق الكلِّية الكُبرى التي وضعها لنا نبيُّنا مُحمد صلى الله عليه وسلم بقوله: "مَن أحدثَ في أمرنا هذا ما ليسَ منهُ فهو ردّ"(20)، ولقد رأينا الكثيرين اليوم يُقصي هذه الحقيقة عمداً أو غفلةً وجهلاً، أو أنَّهُ لينساها، حتى لكأنَّ قائلها ليسَ النَّبيَّ المعصوم صلى الله عليه وسلم، فصارَت تُحدِث أشياء، وتغيِّر أشياء، وتقدم وتؤخر أشياء وأشياء، فكانوا بذلك كأهل الكتاب، الذين قال القرآن فيهم: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [سورة البقرة: آية 79].
بعد هذا البيانِ أقولُ:
إنَّ ممَّا أحدث النَّاسُ في زماننا هذا مقولةً واسعةَ الأرجاء، ممتدَّةَ الأطراف، ليس لها بدايةٌ، ولا تُعرفُ لها نهايةٌ، زيَّنها في أعينهم العجزُ والجهلُ والهَوى جميعاً، تلكم هي: "على المسلمين اليوم أن يَدَعوا القشور ويهتمُّوا باللباب"!! أو بعبارةٍ أخرى: "أن يأخذوا المضمون ويتركوا الشكل"!! وصارت هذه المقولة شعاراً له أنصارٌ ودعاةٌ وأقلامٌ وصُحف ومناهج وعقول.
وبالرُّغم من كلِّ هذا الحشد الذي التفَّ حول هذا الشعار، فإنَّنا لم نجد حتى الآن ترجمةً واضحَةً له، أو تحديداً دقيقاً لمعناه، لذا: فإنَّني أجدني مُلْجَأً أن أُناقض هذه المقولة مُناقضةً علميَّةً، مطَّرحاً جانباً الحماسة العاطفيَّة، والانفعالاتِ الوُجدانيَّة، والسَّورات النَّفسيَّة، في فقرات متتابعَة آخذٍ بعضها ببعض.