تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر، فجلست عليه، ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم وأجلسه بين يديه.

وأجاب عنه ابن الحاج بأن هذا القيام، لو كان محل النزاع لكان الوالدان أولى به من الأخ، وإنما قام للأخ إما لأن يوسع له في الرداء أو المجلس. قلت هذا الحديث معضل كما صرح به ابن المنذري في تلخيص السنن، فلا يصلح للاستدلال. وتمسك النووي بروايات أخرى، وأجاب عنها ابن الحاج بأنها ليست من محل النزاع. والأمر كما قال ابن الحاج، وأجاب النووي عن أحاديث كراهية قيام الرجل للرجل، بما لا يشفي العليل، ولا يروي الغليل كما بينه ابن الحاج مفصلاً.

قلت حديث أنس المذكور يدل على كراهية القيام المتنازع فيه، وهو قيام الرجل للرجل عند رؤيته، وظاهر حديث عائشة يدل على جوازه، وجواب ابن الحاج عن هذا الحديث غير ظاهر، واختلف في وجه الجمع بينهما، فقيل حديث أنس محمول على كراهة التنزيه، وقيل هو محمول على القيام على طريق الإعظام، و حديث عايشة على القيام من سفر، أو للتهنئة لمن حدثت له نعمة، أو لتوسيع المجلس، فهو جائز بالإتفاق. نقل العيني في شرح البخاري عمن أبي الوليد بن رشد، أن القيام على أربعة أوجه: الأول محظور، وهو أن يقع لمن يريد أن يُقام له تكبراً أو تعاظماً على القائمين إليه. والثاني مكروه، وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين، ولكن يخشى أن يدخل نفسه لسبب ذلك ما يحذر، ولما فيه من التشبه بالجبابرة. والثالث جائز، وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك، ويؤمن معه التشبه بالجبابرة. والرابع مندوب، وهو أن يقوم لمن قدم من سفر، فرحاً بقدومه، يُسلم عليه، أو إلى من تجددت له نعمة فيهنئه بحصولها، أو مصيبة فيعزيه بسببها، انتهى.

وقال الغزالي القيام على سبيل الإعظام مكروه، وعلى سبيل البر والإكرام لا يُكره، قال الحافظ في الفتح هذا تفصيل حسن) اهـ (1).

وذكر الوجه الثالث بقوله:

الوجه الثالث: ورد في الحديث المتفق عليه قوله صلى الله عليه وسلم خطاباً للأنصار: قوموا لسيدكم. وهذا القيام كان تعظيماً لسيدنا سعد رضي الله عنه، و لم يكن من أجل كونه مريضاً، وإلا لقال قوموا إلى

(1) - انظر الجزء الثامن " تحفة الأحوذي "، ص 29 – 33.

حوار مع المالكي في رد ضلالاته ومنكراته · الصفحة ١٥٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حوار مع المالكي في رد ضلالاته ومنكراتهص ١٥٠