وكعادتنا فسنقف مع المالكي في القيام عدة وقفات:
الوقفة الأولى: اعترافه بأن القيام عند قرآءة قصة المولد عادة اعتادها الناس، فليست دينية ولا شرعية، ولا مستحبة.
ونقول للمالكي بأنه متناقض في قوله، ولا يخفى علينا أن قصده من هذا القول ذر الرماد في العيون، وإن كانت عقيدته في مشروعية القيام تأبى عليه الاستمرار في هذه المراوغة ; فقد عقد فصلاً تحدث فيه عن وجوه استحسان القيام في المولد، لو أدرجه باباً في كتاب الترغيب والترهيب، وجعله من المسائل المرغب في الأخذ بها ; لكان حديثه في ذلك مشابهاً للحديث في الترغيب في مكارم الأخلاق، و وجوه التقرب إلى الله.
وفيما يأتي سيكون لنا معه عدة وقفات حول مناقشته عن كل وجه ذكره لاستحسان القيام في المولد.
الوقفة الثانية: عند قوله إن حضور الحضرة النبوية خاصة بروحه الشريفة لا بجسده الشريف، وتشنيعه الإنكارعلى من يقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل إلى مجلس المولد بجسده، واعتباره ذلك من الجرأة على مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ونعتقد أن المالكي في هذا متناقض أيضاً مع عقيدته، فطالما أنه يعتقد بأن من صلى عليه صلاة – وذكر نوعها – في اليوم والليلة خمسمائة مرة، لا يموت حتى يجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم يقظة (1).
فما المانع من أن يحضر صلى الله عليه وسلم هذا الحفل الخاص بذكرى ولادته، وما يتلى في هذا المحفل من آيات الإجلال والإكبار، والتقديس والاحترام لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ورفع منزلته إلى مقام الألوهية والربوبية، يحضر هذا المحفل بروحه وجسده، ما دام نوراً لا ظل له في شمس ولا قمر، وما دام سيجتمع يقضة بمن يصلي عليه، الصلاة التي عينها المالكي في كتابه " الذخائر المحمدية ".
حقاً إن الشاطبي رحمه الله قد أنصف البدعيين وأظهرهم على حقيقتهم، حينما قال: إنهم لا يستطيعون المجادلة والمناظرة، لأنهم يفتقدون عناصر الإقناع والاحتجاج لما يعتقدون. ولهذا حكم المالكي على نفسه بأنه قال ما فيه افتراء محض، وفيه وقاحة وقباحة وجرأة على مقام رسول الله صلى
(1) - انظر كتابه " الذخائر المحمدية "، ص 107.