رأي المالكي في القيام في المولد ومناقشته
ثم انتقل المالكي بعد ذلك إلى الحديث عن القيام في المولد، فقال:
(أما القيام في المولد النبوي عند ذكر ولادته صلى الله عليه وسلم، وخروجه إلى الدينا، فإن بعض الناس يظن ظناً باطلاً لا أصل له عند أهل العلم فيما أعلم بل عند أجهل الناس، ممن يحضر المولد ويقوم مع القائمين، وذاك الظن السيئ هو أن الناس يقومون معتقدين أن النبي صلى الله عليه وسلم يدخل إلى المجلس في تلك اللحظة بجسده الشريف، ويزيد سوء الظن ببعضهم فيرى أن البخور والطيب له، وأن الماء الذي يوضع في وسط المجلس ليشرب منه، وكل هذه الظنون لا تخطر ببال عاقل من المسلمين) إلى أن قال (نعم نعتقد أنه صلى الله عليه وسلم حي حياة برزخية كاملة لائقة بمقامه، وأن روحه جوّالة سيّاحة في ملكوت الله سبحانه وتعالى، ويمكن أن تحضر مجالس الخير، ومشاهد النور و العلم، وكذلك أرواح خلص المؤمنين من أتباعه) إلى أن قال (إذا علمت هذا فاعلم أن القيام في المولد النبوي ليس هو بواجب ولا سنّة، ولا يصح اعتقاد ذلك أبداً، إنما هي حركة يعبّر بها الناس عن فرحهم وسرورهم، فإذا ذكر أنه صلى الله عليه وسلم ولد وخرج إلى الدنيا يتصور السامع في نفس اللحظة أن الكون كله يرقص فرحاً وسروراً بهذه النعمة، فيقوم مظهراً لذلك الفرح و السرور معبّراً، فهي مسألة عادية محضة لا دينية، لأنها ليست عبادة ولا شريعة ولا سنة، وما هي إلا أن جرت عادة الناس بها، واستحسن ذلك من استحسنه من أهل العلم) إلى أن قال (إن هذا القيام لتصور شخص النبي صلى الله عليه وسلم في الذهن شيئ محمود ومطلوب، بل لابد أن يتوفر في ذهن المسلم الصادق في كل حين) إلى آخر ما ذكره (1).
(1) - جاء في كتاب الشيخ أبي بكر الجزائري (الإنصاف فيما قيل في المولد من الغلو والإجحاف) ذكر صفة المولد، حيث قال:
(وكيفيته: أن تذبح الذبائح، وتعد الاطعمة، ويدعى الأقارب والأصدقاء وقليل من الفقراء، ثم يجلس الكل للإستماع، فيتقدم شاب حسن الصوت فينشد الأشعار، ويترنم بالمدائح، وهم يرددون معه بعض الصلوات، ثم يقرأ قصة المولد حتى إذا بلغ " وولدته آمنة مختوناً " قام الجميع إجلالاً وتعظيماً، و وقفوا دقائق في إجلال وإكبار تخيلاً منهم وضع آمنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يؤتى بالمجامر وطيب البخور فيتطيب الكل، ثم تدار أكؤس المشروبات الحلال فيشربون، ثم تقدم قصاع الطعام فيأكلون وينصرفون وهم معتقدون أنهم قد تقربوا إلى الله تعالى بأعظم قربة) أهـ.