تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفى عصرنا هذا أعطى الإنسان نفسه حرية مطلقة فى التشريعين العام والخاص .. وتصرف فى شتى التقاليد بالمحو والإثبات .. وجعل حقه فى التحسين والتقبيح فوق ما قرع آذانه ليلا ونهارا من آيات الله والحكمة . وما يختلف مسلم ومسلم فى أن ذلك المسلك مردود جملة وتفصيلا . وإذا كانت هناك الآن مقررات فى علوم الاجتماع والاقتصاد ، أو فى ميادين السياسة والقانون تختلف مع نصوص الدين أو قواعده العامة ، فهى فى نظر فقهاء المسلمين قاطبة منكورة مبعدة .. فإن أوامر الله ونواهيه هى المصدر الأعلى ، أو قل هى المصدر الأوحد لما يحظر أو يباح . وقد عاد الزنجانى فى كتابه القيم " تخريج الفروع على الأصول " إلى هذا الموضوع مرة أخرى فقال : ذهب جماهير العلماء إلى أن التحسين والتقبيح راجعان إلى الأمر والنهى ، فلا يقبح شىء لعينه ، ولا يحسن شىء لعينه بل المعنى بكونه قبيحا أو محرما ، أنه متعلق النهى والمعنى بكونه حسنا أو واجبا أنه متعلق الأمر . واحتجوا فى ذلك بأن إيجاب العقل شيئا من ذلك لا يخلو : إما أن يكون ضروريا ، أو نظريا . والأول محال ، فإن الضروريات لا تنازع فيها ، كيف ونحن جم غفير وعدد كثير لا نجد أنفسنا مضطرين إلى معرفة حسن هذه الأفعال ولا قبح نقائضها .. والثانى أيضا محال لإفضائه إلى التسلسل . وذهب المنتمون إلى أبى حنيفة رضى الله عنه من علماء الأصول إلى أن الأفعال تقسم إلى ثلاثة أقسام : فمنها ما يستقل العقل بدرك حسنه وقبحه بديهة ، كحسن الصدق الذى لا ضرر فيه وقبح الكذب الذى لا نفع فيه . ومعنى استقلال العقل بدرك ذلك عندهم ، أنه لا يتوقف على إخبار مخبر ومنها : ما يدرك حسنه وقبحه بنظر العقل " كحسن الصدق المشتمل على الضرر " " وقبح الكذب المشتمل على النفع ". ص _217

حصاد الغرور · الصفحة ٢٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حصاد الغرورص ٢٠٩