تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن الإنسان الفرد يتفاوت حكمه فى مرحلتين من عمره على شىء واحد ، وربما استقبح وهو شيخ ما كان يستحسنه وهو شاب .. وربما نسج القصور غشاوة كثيفة أو خفيفة على أبصارنا فظننا نفعا لنا ما هو ضار بنا (…وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون) . فإذا توهمنا عوجا ما فى مظاهر الخلق أو جورا ما فى أحوال الناس فلنتهم أفكارنا نحن ولنعترف بقلة علمنا ، بدل أن نقول (لا يسئل عما يفعل) . وأعتى علماء المادة يعترف بأن ما نجهل أضعاف أضعاف ما نعلم ، وأن حصيلة الذكاء البشرى طوال القرون تشبه عودا من الثقاب أوقد فى ظلمات ليل ضرير الآفاق ! إنه ما يرى فى هذا الكون الكبير إلا النزر اليسير .. وقد شاء رب العالمين أن يزود الإنسان بالعقل ليستبين به فى نطاق محدود الخير من الشر والخطأ من الصواب ، كما زود العين بالقدرة على الرؤية فى نطاق أبعاد معينة .. وربما أصيبت العين بعاهة عارضة تمنعها من النظر البعيد أو القريب بيد أن ذلك لا يعنى أن طبيعة العين العجز عن الرؤية . وكذلك لا نسلم لأحد القول بأن العقل عاجز بطبيعته عن إدراك الحسن والقبح فى الأشخاص والأشياء . ولا نسلم أبدا بأن الكذب والصدق ، والعدل والجور معان متساوية القيمة أصلا حتى تنزل الوحى الأعلى فحسن هذه وقبح تلك .. والذى نراه أن جمهور المسلمين وفى مقدمتهم الإمام الشافعى رضى الله عنه يقصدون بكلامهم فى التحسين والتقبيح رفض تحكيم الفلسفة العقلية فى مسير الإنسان ومصيره ، وحاضره ومستقبله ، وشئون حياته كلها ما دق منها وما جل.. وهو مذهب خطير بلا ريب ، بل هو تجاهل لرسالات الله كلها ، واستعلاء على ما جاء بها ، وقبول ما يعجب ، ورد ما لا يعجب .. ومن فجر الخليقة حاول الإنسان أن يعتمد على نفسه فى الفعل والترك والقبول والرفض . ص _216

حصاد الغرور · الصفحة ٢٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حصاد الغرورص ٢٠٨