أما أحكام الأعيان فقد اتفقوا على أنها كلها تعرف بأدلة شرعية ، ولا تعرف بمجرد العقل ، وأنها كلها تثبت بإثبات الله تعالى . واحتجوا فى ذلك بقياس الشاهد على الغائب ، بناء على قاعدة التحسين والتقبيح ، وزعموا أن شرع الحكم لا لمصلحة عبث وسفه ، والعبث قبيح عقلا. وهو كإقدام الرجل اللبيب على كيل الماء من بحر إلى بحر ! فإنه يقبح منه ذلك ويستحق الذم عليه . وإذا تمهدت هذه القاعدة فنقول : الشافعى رضى الله عنه حيث رأى أن التعبد فى الأحكام هو الأصل غلب احتمال التعبد ، وبنى مسائله فى الفروع عليه .. وأبو حنيفة رضى الله عنه حيث رأى أن التعليل هو الأصل بنى مسائله فى الفروع عليه ، فتفرع عن الأصلين المذكورين مسائل .. إلخ . ولست هنا بصدد ترجيح مذهب الأحناف ، وتضعيف رأى الجمهور فالأمر عندى أعمق من ذلك . إن المسلمين كافة يعلمون أن الله هو القاهر فوق عباده وأنه ليس لبشر ما أن يقف أمامه إلا عانى الوجه ، مكسور الشوكة ..! وإن إرادته نافذة فى أرجاء الملكوت لا يعترضها إنس ولا جن (…ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) . لكن الله- وله المجد الذى لا يبلى- خلق السموات والأرض بالحق لا بالباطل وسير الكائنات فى البر والبحر والجو بالحكمة لا بالفوضى ، ودبر الأمور من الأزل إلى الأبد وفق نظام دقيق لا خبط عشواء ، ولا تقدير مجازف .. (وكل صغير وكبير مستطر) . فكيف يتصور فى شرائعه أن تتجنب المصلحة أو تنطوى على مفسدة؟ إنه حقا لا يسأل عما يفعل ، ولكن لماذا نتصور أن من ذاته فوق المسئولية يجوز أن يصدر عنه ما لا ينبغى ؟ بحجة أنه مالك الملك ؟.. الأولى من ذلك والأدنى إلى الصواب أن تعرف حدود الدائرة التى يستطيع فيها العقل البشرى الإدراك الصحيح والحكم السديد .. ص _215
حصاد الغرور · الصفحة ٢٠٧
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
حصاد الغرورص ٢٠٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي