تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التحديد ، وفصل حيث يستحب التفصيل، وأجمل وعمم حيث يقتضى الأمر إرسال التعليمات مجملة عامة .. وحث العقل على أداء وظيفته فى الفقه والاكتشاف والتبصر والاعتبار ، وحذره أن يجانب الحق بالحدس والتخمين ، وأن يبدد قواه فى اقتحام الغيوب المعجزة .. كما علمه الأدب مع الله ورسوله ، فلا مكان لاقتراحاته حيث يتكلم الوحى ، ولا لابتداعاته حيث مضت السنة .. والمعانى التى قررناها آنفا ليست موضع خلاف بين المسلمين ، ولكن الخلاف أخذ لونا آخر يقترب اقترابا شديدا من هذا الموضوع .. فقد تساءل أسلافنا- غفر الله لهم- عن مكانة العقل بالنسبة إلى الحظر والإباحة ، والفعل والترك ، والاستهجان والاستحسان ، وكانت إجابة كثير منهم أن العقل فى هذا الميدان صفر ، وأن الشرع وحده هو كل شىء .. وفى هذه الإجابة غموض وجور .. فإن العقل يستطيع بنوره الذاتى أن يعرف الشر فى أشياء كثيرة ، وأن يلحظ الخير فى أشياء كثيرة .. وقد لفت القرآن الإنسان إلى أنه بفطرته قادر على التفرقة بين شناعة الجهل وكرامة العلم (…قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب) . وإلى أنه بفطرته يستقبح الظلم ، ويأبى الحكم به (أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون) . صحيح أن العقل الإنسانى بحاجة إلى عون من الله ومدد من الوحى.. بيد أن هذه الحاجة لا تعنى بخس قيمته ولا التهوين من قدرته المحدودة فى مجالى التحسين والتقبيح .. لكن جمهور السلف رأى - سدا لباب الاستغناء بالعقل- أن يجعل الشارع صاحب الكلمة الأولى والأخيرة فى هذا المجال ، ويقرر هذا العلامة الزنجانى فى كتابه "تخريج الفروع على الأصول " فيقول: ص _213

حصاد الغرور · الصفحة ٢٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حصاد الغرورص ٢٠٥