والأفراد النابهون لا الجماهير الكثيفة هم صناع الحياة وقادة الفكر والخلق ! ! فكم من أمة ظلت تغط فى سباتها دهرا حتى جاء من أيقظها فثارت.. وكم من أمة شردت عن الصراط المستقيم حتى رزقت من هداها فرشدت.. على أن أولئك المتفردين العباقرة أنواع ! فمنهم من رمق القافلة التائهة وأبى أن يندفع معها فى وجهتها، واكتفى بأن ينفض يديه من أمرها ، وألا يشاركها فى مسيرها ، وكأن أبا العلاء المعرى يصور نفسية هؤلاء عندما قال : خذى رأيى ، وحسبك ذاك منى على ما فى من عوج وأمت وماذا يبتغى الجلساء عندى؟ أرادوا منطقى وأردت صمتى؟ ويوجد بيننا أمد قصى فأموا سمتهم وأممت سمتى والواقع أن اعتزال المجتمع الماجن الفاجر جهد غير قليل. ترى هل هذا هو التغيير بالقلب الذى عده الحديث الشريف أضعف الإيمان؟ ربما ، ولكنى ألحظ أن هذا الموقف قد يكلف صاحبه تضحيات فادحة ، فإن المغاضبين لله قد يطلبون الأعوان على سيرتهم بالرغبة أو الرهبة . وربما قالوا : من ليس منا فهو علينا ! ! وهنا تقع محن شداد، فإن الإمام الأعظم أبا حنيفة كان مزورا عن حكام عصره ، مكتفيا بتفقيه الجماهير فى دين الله، ولكن هؤلاء رأوا ضمه إلى صفوفهم كرها بأن عينوه قاضيا للقضاة ، ومات الإمام فى السجن وهو يرفض المنصب المعروض!! وهناك رجال من طراز آخر، لا يدعون المنكر يمر سالما أبدا، ويأبون إلا كشف زيفه وهدم صنمه، ومقاومة الجماهير العاكفة عليه.. وإذا كنا فى مجالس المناظرة، أو عند تحبير المقالات، نظن اعتراض التقاليد المستقرة أمرا سهلا، فإن ذلك عند المعاناة العملية أمر شديد الوعورة مقلق الأخطار.. إن للوثنية عبادا يأكلون من يخدشها.. وانظر شدة غضب هؤلاء على من يعترض طريقهم فى قوله تعالى: (وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون). ص _155
حصاد الغرور · الصفحة ١٤٦
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
حصاد الغرورص ١٤٦
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي