فهم الدواء الخالد لكل ما يفشو فى الدنيا من علل ، وهم الأمل الباقي لبقاء الخير فى الأرض ، وإن ترادفت النوب واكفهرت الآفاق . ربما كان عشق الحق خليقة فيهم فطرهم الله عليها كما قال سبحانه: (وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون). ولعشق الحق أعباء مرهقة ، أولها الصبر على تثبيط الخاذلين، وكيد المعوقين والمخالفين بيد أن طبيعة الثورة على الباطل لا تكترث لشيء من هذا وفى الحديث الصحيح : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة- أو حتى يأتى أمر الله- وهم على ذلك ". وأكثر الناس يعرف الحق معرفة حسنة ، غير أنه لا يأسى لهزيمته ، ولا يأسف لضياعه ! أو لعل إحساسا من الضيق يخامره لخذلان الحق ، إلا أن هذا الإحساس يصطدم بمصالح النفس وضرورات العيش ، ومطالب الأولاد ، فيتراجع المرء رويدا رويدا عن هذا الشعور النبيل ، ويؤثر الاستسلام على المقاومة ، والاستكانة للواقع عن تغييره وإنكاره . . ! وهذا السلوك لا يتفق مع طبيعة الإيمان ، ويستحيل أن تتقبله نفس ثائرة لله ، مؤملة فيما عنده . . فالغضب لله ورسوله يذهل فى سورة يقينه عما يحرص عليه الجبناء من حياة ومتاع ، ولا يرى أمامه إلا نصرة الحق ورفع لوائه وليكن ما يكون . . عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من ولده ووالديه والناس أجمعين ". على أن من العبث انتظار التفانى فى الحق من عبيد أهوائهم ، وصرعى نزواتهم ، إن الأمر يحتاج إلى تربية وتبصرة حتى يكون مذاق الإيمان أحلى فى فم الإنسان من كل لذة عاجلة . وعندما يشعر امرؤ بالسعادة لأنه واسى محروما ، أو نصر ضعيفا ، أو آمن قلقا ، أو آوى هائما ، أو أحصن عرضا ، أو حقن دما ، فهو إنسان كبير.. ومثله أهل لأن يفتدى عناصر الإيمان بالنفس والنفيس ! ص _153
حصاد الغرور · الصفحة ١٤٤
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
حصاد الغرورص ١٤٤
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي