تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقامت الثورة العرابية فى مصر، وهى من ناحية الوزن التاريخى لثورات المبادئ تشبه الثورة الفرنسية. إذ هى حركة تمرد على مفاسد بعض الملوك ومظالمهم، وتحرير للشعوب المضطهدة، ورد لحقوقها المسلوبة. والفارق بين الثورتين، أن الفرنسيين قاموا بدوافع إنسانية مجردة ضد التحالف الجائر بين النظام الملكي ورجال الدين على افتراس الجماهير وانتهاب حقها.. أما الثورة العرابية فقامت بدوافع إسلامية ضد طغيان ملك مستبد، وعصبيات جاهلية، ولذلك قادها علماء الأزهر، ودعوا لها، ودافعوا عنها وحوكموا من أجلها. بل إن أحمد عرابى كان أزهريا يستمد ثقافته العامة وحكمه على الأمور من تعليمه الديني .. وقد دعم الثورة العرابية الفريقان المتباينان من علماء الأزهر. رجال الفكر الحر وفى طليعتهم الشيخ محمد عبده ومدرسته. ورجال التربية والتصوف وفى طليعتهم الشيخ عليش ، والشيخ أبو عليان ، وسائر شيوخ الطرق. ومعنى هذا أن رجالات الإسلام على اختلاف مشاربهم كانوا ظهيرا للثورة العسكرية الشعبية ضد مظالم الأسرة المالكة، والافتيات على الأمة.. وأن الإسلام كان موقد هذه المقاومة العامة، وباسط أدلتها، ومضرم مشاعرها. وأنه لم يستورد مبادئ من هنا أو من هناك لتشحن قلوب المصريين الفارغة أو تعلمهم ما يجهلون..! وتدخل الإنجليز لقتل الثورة فى مهدها، واستطاعوا بخبثهم الاستعمارى أن يستصدروا فتوى من الخليفة التركى بأن عرابى عاص، ثائر، لا تجوز مساندته. ولكن علماء الأزهر سارعوا فكذبوا الخليفة المضلل، وأصدروا فتوى بأن عرابى على حق، وأن العمل معه جهاد.. وشاءت الأقدار أن تنهزم هذه الثورة، وأن يحتل الإنجليز مصر.. وبدأت مأساة تزوير التاريخ.. ص _147

حصاد الغرور · الصفحة ١٣٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حصاد الغرورص ١٣٩