وهذه الرابطة الموصولية المصدرية بين (أنْ) الناصبة للمضارع، وبين (أنّ) جعلت النحاة يعتبرون (أَنْ) المصدرية هي مخفف (أنّ). وبالرجوع إلى المحيط للانطاكي نجده قد أغفل خاصية (التوكيد) فيها، وجرى في ذلك مجرى (ابن هشام) بشيء كثير من الإيجاز.
وهكذا يتضح أن خاصية (التوكيد) في (أنّ) قد أضعفتها فتحة الهمزة إلى حد الضياع. فيتجاهلها (ابن هشام) وغيره، وانصرفوا عنها إلى خاصية المصدرية فيها.
والحقيقة إِن في قولك: ((بلغني أنّ زيداً رجل كريم))، إِنما هو مجرد إخبار يحتمل الصدق والكذب، ولو كنت صادقاً في نظر السامع. وذلك لتعلق صحة هذا الخبر بمدى صدق من أبلغني إِياه ولا مسؤولية شخصية عليَّ في ذلك.
أما في قولي: ((إنَّ زيداً رجل كريم))، فهذا حكم وليس مجرد خبر. وذلك لتعلق هذا القول بمسؤوليتي الشخصية. فما من أحد يثق بي يمكن أن يشك بصدق هذا القول، ولو اعتبرناه خبراً.
وإذن فإن خاصية التوكيد في (إنّ) مردها بالدرجة الأولى، على ما يبدو لي (كسرة) الهمزة أولاً. وذلك لأن (الكسرة) مخفف (الياء) تشير إلى ذات المتكلم كما سبق بيانه، فتضفي على معنى (إنّ) التزاماً شخصياً بصدق ما يقوله المتكلم بعدها.
أما خاصية التوكيد في (نونها) المشددة فمردها معاني الصميمية والذاتية فيها، كما أسلفنا.
وهكذا تتضافر المضامين الذاتية والشخصية في هذين الحرفين لتجعل من (إنَّ) حرف توكيد بالدرجة الأولى.
أما (أنّ) التي حُرمت من كسرة الهمزة فلم يبق لها إلا (النون) المشددة، مما أضعف من خاصية التوكيد فيها. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذه (النون) المشددة تضفي بعض التوكيد على ما يأتي بعدها. فقولك: ((بلغني أنّك مسافرٌ)) أَدعى للثقة بصدق هذا الخبر من قولك: ((بلغني سفرك)). وسنعود أيضاً إلى كسرة (الهمزة) عما قريب.
3-كأنّ
أولاً- حول خصائص أحرفها ومعانيها الفطرية: