تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فإذا لم يكن الأمر كما نراه، فإن معاني التوكيد في (إنَّ) وإخواتها تصبح اصطلاحية صرفة خلافاً للنهج العربي الأصيل بمعرض إبداع ألفاظه تعبيراً عن معانيه.

ولو أن الامر يتعلق بـ (إنَّ) فحسب لكان بالإمكان التساهل مع إجماع اللغويين التراثيين، ولكنه يتعلق بمعظم الأحرف المشبهة بالفعل، مما يطعن بأصالة اللغة العربية في هذا القطاع اللغوي العريق. ونحن في كل ذلك لم نعدُ الحقيقة، وإِن خفيت على أساتذتنا العظام.

2-(أَنَّ)

لقد سبق أن تحدثنا عن خصائص أحرفها ومعانيها الفطرية في حديثنا عن (إنّ) مما لا جدوى من إعادته. ولكن الفروق بين معانيهما واستعمالاتهما تعود الى تحريك همزة (أَنَّ) بالفتح بدلاً من الكسرة. وسنرى مدى تأثير ذلك في معانيها واستعمالاتها التراثية.

فماذا عن معانيها واستعمالاتها التراثية؟

هي لدى (ابن هشام) على وجهين:

1-أنَّ تكون حرف توكيد تنصب الاسم وترفع الخبر. ثم يقول والأَصح أَنها فرع من (إنّ) المكسورة الهمزة.

2-ولكنه يعود سريعاً فيقرر: ((والأصح أيضاً أنها موصول حرفي مؤول مع معموله بالمصدرية)). فإذا كان الخبر اسماً مشتقاً فالمصدر المؤوّل يكون من لفظه، نحو: ((بلغني أنك منطلق))، أي ((بلغني انطلاقك)). وإِن كان الخبر اسماً جامداً، يؤول بالكون، نحو: ((بلغني أنَّ هذا زيد)) تقديره: ((بلغني كونه زيداً)) (مغني اللبيب ج2 ص40).

وهكذا يتراجع (ابن هشام) عن رأيه الأول من حيث كون (أنَّ) حرف توكيد ونصب، أو فرع عن (إنّ)، إلى أَنها: ((موصول حرفي مؤول مع معموليه بالمصدر)).

وذلك قريب من عمل (أنْ) الناصبة للمضارع. فتأويل قولي ((بلغني أنك منطلق)) بعبارة ((بلغني انطلاقك)) مماثل تماماً لتأويل قولي: ((سرني أن تنجح)) بعباره ((سرني نجاحك)).

حروف المعاني بين الأصالة والحداثة- دراسة - · الصفحة ٩٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حروف المعاني بين الأصالة والحداثة- دراسة -ص ٩٣