تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي المسند "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بأسير، فقال: اللهم إني أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عرف الحق لأهله" (1). فالتوبة عبادة لا تنبغي إلا لله، كالسجود والصيام.

ومن أنواعه: النذر لغير الله، فإنه شرك، وهو أعظم من الحلف بغير الله. فإذا كان من حلف بغير الله فقد أشرك، فكيف بمن نذر لغير الله؟ مع أن في حديث عقبة بنا عامر عنه صلى الله عليه وسلم "النذر حلفة" (2).

ومن أنواعه: الخوف من غير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والإنابة والخضوع والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من عند غير الله، وحمد غيره على ما أعطى، والغنية بذلك عن حمده سبحانه، والذم والسخط على ما لم يقسمه، ولم يجر به القدر، وإضافة نعمه إلى غيره، واعتقاد أن يكون في الكون ما لا يشاؤه.

ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم، والتوجه إليهم. وهذا أصل شرك العالم، فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يماك لنفسه ضراً ولا نفعاً فضلاً عمن استغاث به، وسأله قضاء حاجته، أو سأله أن يشفع له إلا الله فيها.

وهذا من جهله بالشافع والمشفوع له عنده، كما تقدم، فإنه لا يقدر أن يشفع له عند الله إلا بإذنه، والله لم يجعل استغاثته وسؤاله سبباً لإذنه، وإنما السبب لإذنه: كمال التوحيد. فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن، وهو بمنزلة من استعان في حاجة بما يمنع حصولها، وهذه حالة كل مشرك.

والميت محتاج إلى من يدعو له، ويترحم عليه، ويستغفر له، كما أوصانا صلى الله عليه وسلم إذا زرنا قبور المسلمين، أن نترحم عليهم ونسأل لهم العافية والمغفرة".

فعكس المشركون هذا، وزاروهم زيارة العبادة، واستقضاء الحوائج، والاستغاثة بهم، وجعلوا قبورهم أوثاناً تعبد، وسموا قصدها حجاً، واتخذوا عندها الوقفة وحلق الرأس، فجمعوا

(1) أخرجه أحمد (3/ 435)، قال الحاكم: صحيح.

(2) الحلف بغير الله قد يكون شركاً أصغر، وقد يكون شركاً أكبر يُخرج عن الملة. وسياق كلام الإمام ابن القيم هنا يُفهم منه أن كلامه محمول على الصور التي هي من باب الشرك الأكبر المخرج من الملة كما سيتضح في نهاية كلامه: ويُحمل هذا أيضاً على الخوف والتوكل والخضوع. والله تعالى أعلم.

حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعةص ٧٣