"والمقصود هنا أن كل ما نفاه الله ورسوله من مسمى أسماء الأمور الواجبة كاسم الإيمان، والإسلام والدين، والصلاة، والصيام، والطهارة، والحج وغير ذلك، فإنما يكون لترك واجب من ذلك المسمى.
فحيث نفى الله الإيمان عن شخص، فلا يكون إلا لنقص ما يجب عليه من الإيمان، ويكون من المعرضين للوعيد، ليس من المستحقين للوعد المطلق.
فهذا حكم اسم الإيمان إذا أطلق في كلام الله ورسوله، فإنه يتناول فعل الواجبات وترك المحرمات، ومن نفى الله ورسوله عنه الإيمان، فلا بد أن يكون قد ترك واجباً أو فعل محرماً، فلا يدخل في الاسم الذي يستحق أهله الوعد دون الوعيد، بل يكون من أهل الوعيد" (1).
"وبتحقق هذا المقام يزول الاشتباه في هذا الموضع، ويعلم أن في المسلمين قسماً ليس هو منافقاً محضاً في الدرك الأسفل من النار، وليس هو من المؤمنين الذين قيل فيهم: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) (الحجرات: 15).
ولا من الذين قيل فيهم: (أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً) (الأنفال: 4).
فلا هم منافقون، ولا هم من هؤلاء المؤمنين حقاً، ولا من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب، بل له طاعات ومعاص وحسنات وسيئات، ومعه من الإيمان ما لا يخلد معه في النار، وله من الكبائر ما يستوجب دخول النار.
وهذا القسم قد يسميه بعض الناس الفاسق الملي، وهذا ممّا تنازع الناس في اسمه وحكمه، والخلاف فيه أول خلاف ظهر في الإسلام في مسائل أصول الدين" (2).
الإيمان الكامل:
علمنا أن المرء إذا حقق "الإيمان المجمل" فقد وقف على حد الإسلام ونجا من الكفر ومن الخلود في النار. ثم يصبح واجباً عليه حينئذ –بعد نزول القرآن واكتمال الدين- أن يصدق بما بلغه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مفصلاً ويلتزم به وينقاد إليه ويعمل به بقدر استطاعته.
(1) الإيمان، لابن تيمية، ص34 - 40.
(2) الإيمان الأوسط، ص19 - 20.