وعلى هذا فإن نفي الإيمان المجمل معناه نفي مطلق الإيمان، وسقوط صاحبه في الكفر الأكبر الناقل عن الملة، ويتحقق هذا بانتفاء أو نقض أحد عناصره من التصديق أو الانقياد أو الإقرار.
ثم إذا ما اكتملت الشريعة، وأنزل الله –عز وجل- تفصيلات ما أمر به قبل ذلك مجملاً، وإذا ما زادت معرفة المرء بتفصيلات دينه وشريعته، أصبح ما كان واجباً عليه قبل ذلك "مجملاً" أو على وجه الإجمال، أصبح واجباً عليه الآن "مفصلاً" أو على وجه التفصيل، وأصبح لزاماً عليه أن لا يكتفي بما آمن به قبل ذلك مجملاً، بل عليه الآن أن يؤكد حقيقة "إيمانه المجمل" فلا ينقضه، وذلك بأن يؤمن بكل ما جاءه مفصلاً، خبراً خبراً، وأمراً أمراً، فيصدق كل خبر على حدة، ويلتزم بكل أمر ويعمل به على قدر طاقته.
وهذا القدر من الإيمان أطلق عليه الإمام ابن تيمية "الإيمان الواجب" أو الإيمان المفصل أو الإيمان الكامل بالواجبات، وهو القدر الذي إذا ما أتى به المرء على وجهه تصديقاً والتزاماً وعملاً، فأتى بكل ما أمر به من واجبات، وانتهى عن كل ما نهى عنه من محرمات، فقد نجا من دخول النار ابتداء.
و"الإيمان الواجب" هو أوضح مجال للزيادة والنقص في الإيمان، فبقدر ما يأتي المرء من واجبات سواء باطنة، مثل زيادة اليقين والطمأنينة والانقياد والمحبة والخشية والرجاء وغيرها من الواجبات القلبية، أم ظاهرة من صلاة وصيام وزكاة وحج وجهاد وبر للوالدين وصلة للرجم وغيرها من الواجبات الظاهرة، وبقدر ما يدع من منهيات، مثل الحسد والكبر والرياء والغيبة وشرب الخمر والزنا وغيرها من المعاصي الباطنة والظاهرة، بقدر ما يزيد إيمان المرء أو ينقص.
وعلى هذا فإن نفي الإيمان الواجب معناه نفي الإيمان المطلق، أي أن صاحبه لم يأت به على وجهه الذي أمر به، بأن يكون قد ترك واجباً أو أتى محرماً، مما يعرضه للوعيد والعذاب في النار بقدر ما ترك من واجبات أو أتى من معاص، ولكنه لا يخرج بذلك عن دائرة الملة طالما أن معه أصل التصديق والانقياد، أي معه أصل الإيمان أو الإيمان المجمل، وهو ما يعرف عند البعض "بالفاسق الملي" (1).
فإذا ما أتى العبد بتمام الإيمان الواجب، ثم زاد عليه ما شاء الله له أن يزيد من المستحبات وترك المكروهات والمتشابهات ظاهراً وباطناً، فقد دخل في دائرة "الإيمان الكامل"
(1) الإيمان الأوسط، ص21.