والمتتبع لأقوال الأئمة في هذا الأمر يلاحظ مدى تعدد اجتهاداتهم في اعتبار أو رفض الدلالات المختلفة التي تعبر عن تحقق مدلول الشهادتين، وذلك حسب حال القائل، والظروف والملابسات المختلفة التي تحيط به مما يؤكد على هذه الحقيقة وهي أن العبرة دائماً بالحقائق والمعاني والدلالات وليس بالألفاظ المجردة.
يقول الإمام ابن القيم: "وقد اختلفت أئمة الإسلام في الكافر إذا قال: أشهد أن محمداً رسول الله ولم يزد، هل يحكم بإسلامه بذلك؟ على ثلاثة أقوال وهي ثلاث روايات عن الإمام أحمد. أحدها يحكم بإسلامه بذلك، والثانية لا يحكم بإسلامه حتى يأتي بشهادة أن لا إله إلا الله، والثالية أنه إذا كان مقراً بالتوحيد حكم بإسىلامه، وإن لم يكن مقراً لم يحكم بإسلامه حتى يأتي به" اهـ (1).
ويقول البدر العيني: "وإذا نطق بهما لم يشترط معهما أن يقول: أنا بريء من كل دين خالف دين الإسلام على الأصح، إلا أن يكون من كفار يعتقدون اختصاص الرسالة بالعرب، ولا يحكم بإسلامه حتى يتبرأ. ومن أصحابنا من اشترط التبرؤ مطلقاً، وهو غلط لقوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله" (2). ومنهم من استحبه مطلقاً كالاعتراف بالبعث.
أما إذا اقتصر الكافر على قوله لا إله إلا الله، ولم يقل: محمد رسول الله، فالمشهور من مذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا يكون مسلماً. ومن أصحابنا من قال: يصير مسلماً ويطالب بالشهادة الأخرى، فإن أبي جعل مرتداً، وحجة الجمهور الراوية السالفة، وهي مقدمة على هذه، لأنها زيادة من ثقة، وليس فيها نفي للشهادة الثانية، وإنما فيها تنبيه على الأخرى.
وأغرب القاضي حسين فشرط في ارتفاع السيف عنه أن يقر بأحكامها مع النطق بها، فأما مجرد قولها فلا، وهو عجيب منه.
(1) زاد المعاد، جـ 3ص42.
(2) البخاري ومسلم.