تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الشارع عندهم هو ما يخرج به المرء عن دائرة الملة الإسلامية، ومن ثم فقد أطلقوا على هذا النوع من الكفر كفراً مجازياً، واتفقوا مع غيرهم من أهل السنة على عدم خروج صاحبه عن دائرة الملة وعدم تخليده في النار خلافاً للخوارج والمعتزلة.

يقول شارح "الطحاوية": "إن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية، كما قالت الخوارج ... وأهل السنة أيضاً متفقون على أنه يستحق الوعيد المرتب على ذلك الذنب، كما وردت به السنة، لا كما يقوله المرجئة من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب ولا ينفع مع الكفر طاعة! (1).

ثم بعد هذا الاتفاق تبين أن أهل السنة اختلفوا اختلافاً لفظياً، لا يترتب عليه فساد، وهو: أنه هل يكون الكفر على مراتب، كفر دون كفر؟ كما اختلفوا: هل الإيمان على مراتب، إيمان دون إيمان؟ وهذا الاختلاف نشأ في اختلافهم في مسمى "الإيمان": هل هو قول وعمل يزيد وينقص، أم لا؟ بعد اتفاقهم على أن من سماه الله تعالى ورسوله كافراً نسميه كافراً.

ولكن من قال: إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، قال: هو كفر عملي لا اعتقادي، والكفر عنده على مراتب، كفر دون كفر، كالإيمان عنده.

ومن قال: إن الإيمان هو التصديق، ولا يدخل العمل في مسمى الإيمان، والكفر هو الجحود، ولا يزيدان وينقصان، قال: هو كفر مجازي غير حقيقي، وقال: الكفر الحقيقي هو الذي ينقل عن الملة. وكذلك يقول في تسمية بعض الأعمال بالإيمان كقوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) (البقرة: 143) أي صلاتكم إلى بيت المقدس: أنها سميت إيماناً مجازاً، لتوقف صحتها على الإيمان، أو لدلالتها على الإيمان، إذ أنها دالة على كون مؤديها مؤمناً، ولهذا يحكم بإسلام الكافر إذا صلى صلاتنا.

فليس بين فقهاء الأمة نزاع في أصحاب الذنوب، إذا كانوا مقرين باطناً وظاهراً بما جاء به الرسول، وما تواتر عنهم أنهم من أهل الوعيد.

(1) يشكك الإمام ابن تيمية في نسبة هذا القول إلى المرجئة –إلا أن يكون قول لبعض الغلاة المتحللين من الأحكام الشرعية- حيث لا يعلم له قائل معين منهم لينسب له هذا القول، وإن اشتهر هذا القول ونسبة الناس إليهم.

راجع بالتفصيل: الفصل التالي عن "الإيمان عند المرجئة".

حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ١٨٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعةص ١٨٣