والقرآن ليس فيه ذكر إيمان مطلق غير مفسر، بل لفظ الإيمان فيه إما مقيد وإما مطلق مفسر، فالمقيد كقوله: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ) (البقرة: 3) وقوله: (فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ) (يونس: 83). والمطلق المفسر كقوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) (الأنفال: 1) ونحو ذلك. وكل إيمان مطلق في القرآن فقد بين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمناً إلا بالعمل مع التصديق (1).
وقد جرى عرف اللغة عند العرب على أن الاسم يكون مطلقاً وعاماً، ثم يدخل فيه قيد أخص من معناه، فبتقدير أن يكون في لغتهم التصديق، فإن قد بين الشارع لهم أنه لا يكتفى بتصديق القلب واللسان، فضلاً عن تصديق القلب وحده، بل لا بد أن يعمل بموجب ذلك التصديق، فبين لهم أن التصديق الذي لا يكون الرجل مؤمناً إلا به، هو أن يكون تصديقاً على هذا الوجه، وهذا بيِّن في القرآن والسنة من غير تغيير للغة ولا نقل لها (2).
وأخيراً نقول: إن الأفعال نفسها تسمى تصديقاً، كما ثبت في "الصحيح" عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ذلك ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" (3). وكذلك قال أهل اللغة وطوائف من السلف والخلف (4).
قال الجوهري: والصديق مثال الفسيق: الدائم التصديق، ويكون الذي يصدق قوله بالعمل (5).
وقال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتحلي ولا بالتمني، ولكن ما وقر في القلوب وصدقته الأعمال (6).
(1) الإيمان، لابن تيمية، ص121 - 122.
(2) الإيمان، لابن تيمية، 122، 123.
(3) البخاري ومسلم مع اختلاف في اللفظ.
(4) الإيمان، لابن تيمية، ص278.
(5) الإيمان، لابن تيمية، ص278.
(6) الإيمان، لابن تيمية، ص278.