تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وضابط الأمر في ذلك أن ننظر في الوضع الذي يذكر فيه أحدهما، هل له في الكلام متعلق خاص تعدى هو إليه بالباء أو اللام، أم ذكر مجرداً عن المتعلق؟ فإذا وجدنا لهما متعلقين بأن قيل مثلاً "إيمان بكذا" أو "إسلام لكذا" عرفنا أنهما بمعناهما اللغوي البحت، أي مطلق التصديق والانقياد لما تعلقا به، سواء أكان حقاً أم باطلاً مشوباً بالشرك أم لا، قال تعالى: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ) وقال: (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ) وقال: (كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ) وقال: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) وقال: (إِلَهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) هذه بمنطوقها تثبت الإسلام لله، وبمفهومها تنفي الإسلام لغيره، كأنه قيل: لا نسلم لغير الله.

وأما إذا ذكر هكذا بدون متعلق، فالمراد بهما تلك الحقيقة الشرعية الخاصة، وهي التصديق بالحق والانقياد له.

لكنهما بعد هذا التخصيص، هل بقى كل منهما واقفاً عند حده اللغوي، فالإيمان خاص بالباطن، والإسلام بالظاهر مثلاً؟ أم أنهما قد أزيلت من بينهما تلك الحواجز اللغوية وأصبحا في عرف الشرع كلمتين مترادفتين معناهما واحد وهو "الدين بجملته، ظاهره وباطنه"؟ الجواب عن هذا فيه تفصيل"اهـ (1).

وهذا التفصيل الذي ذكره الشيخ دراز نحاول أن نعرضه بتركيز وتبسيط من خلال هذا الفصل، والله ولي التوفيق.

(1) المختار من كنوز السنة، ص57 - 60.

وخلاصة التحقيق اللغوي للكلمتين، أن "الإيمان" أصله التصديق ولكنه تصديق مخصوص يصاحبه الطمأنينة وسكون النفس والاستئمان للمخبر. ثم إنه قد يستعمل متعدياً بنفسه مثل (آمنت فلانا) أو متعديا بالباء مثل (آمنت بكذا) أو متعدياً باللام مثل (آمنت لفلان) وفي كل هذه الاستعمالات فالمعنى يدور حول ما ذكرنا من التصديق والاستئمان أيا كانت متعلقاته.

أما "الإسلام" فأصله الانقياد والخضوع والاستسلام. وقد يستخدم متعدياً في نفس المعنى، فيقال مثلا: (أسلمت أمري إلى الله) أي سلمته إليه.

ثم إن "الإيمان" وإن كان أصله التصديق وهذا يكون بالقلب، فإن الإقرار والاعتراف باللسان يسمى أيضاً تصديقاً وامتثال الأمر يسمى تصديقاً.

وكذلك "الإسلام" من الناحية اللغوية يتسع لكل هذه المراتب الثلاثة، إما ظاهراً، وإما باطناً، وإما بكليهما.

حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعة · الصفحة ١٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

حقيقة الإيمان عند أهل السنة والجماعةص ١٣٦