ثمّ الكفر والنكران ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُم الله﴾ ذَكَر بعض أهل التفسير أنّ المقصود بالقرية هي مكّة, والنعمة التي كفرها أهل مكّة هي رسالة محمّد (, وهذا التفسير هو من نوع تفسير الشيء ببعض صوره وأنواعه, وإلا فهذا مثَلٌ لكلّ قرية أسبغ الله عليها نعمه وكفرت بها, والكفران هو ستر الحقّ وعدم الانقياد له, فالتوحيد حقّ وكفره هو الإعراض عنه ومعاندته والشرك به, والرسالة حقّ وكفرها هو عدم تصديق الرسول وترك متابعته والانقياد له, والنعم الماليّة حقّ وكفرها هو أخذها من غير طريقها الحلال وصرفها في غير طريقها الصحيح وعدم أداء حقّ الله تعالى فيها, والنعم البَدَنيّة حقّ وكفرها هو إفساد البدن بأكل وشرب ما حرّم الله, وإتعابه في غير طاعة الله تعالى.
وما من نعمة من هذه النعم كفرت بها قرية من القرى إلا وسلبها الله هذه النعمة وأبدلها ضدَّها, قال تعالى: ﴿وَكَذَلكَ أَخْذ رَبّكَ إِذَا أَخَذَ الْقرَى وَهيَ ظَالمَة إِنَّ أَخْذَه أَليم شَديد﴾, هود: 102.
وقال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا منْ قَرْيَة كَانَتْ ظَالمَة وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرينَ فَلَمَّا أَحَسّوا بَأْسَنَا إِذَا همْ منْهَا يَرْكضونَ لا تَرْكضوا وَارْجعُوا إِلَى مَا أتْرفْتمْ فيه وَمَسَاكنكمْ لَعَلَّكمْ تسْأَلونَ﴾, الأنبياء: 11-13.
وكيفيّة حصول الكفران له سنّة, فإنّه ما من قرية إلا ولها كبراء يعظّمهم أهلها, وقد جرت سنّة الله تعالى أن يبدأ الكفران والمعاصي في أهل الترف قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نهْلكَ قَرْيَة أَمَرْنَا متْرَفيهَا فَفَسَقوا فيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْل فَدَمَّرْنَاهَا تَدْميرا﴾, الإسراء: 16.