أمواله؛ لأن الدين إنما يتعلق بذمته لا بعينه» ... ثم أورد أمثلة متعددة، ومضى قائلاً: «والمهم جدا في هذه النصوص ليس هو الموضوعات التي وردت فيها، بل المبدأ الفقهي الذي تتضمنه؛ لما له من تأثير ذي بال في شتى الأحكام» (1).
ومن ذلك: أنظمة السير، فإنَّ الأصل الشرعي أنَّ السير في الطرقات مباحٌ، فللمارة الحق أن يسيروا بهذا الشارع، أو ذاك، ذهابًا وإيابًا، لكن أنظمة المرور تبيح السير في بعض الشوارع باتجاه واحدٍ، وتمنع السير باتجاهين، وتمنع الوقوف هنا، وتسمح بالوقوف هناك، وهكذا، وتوقع عقوبة على من يخالف هذه القوانين.
ولا أحد يقول عن أنظمة المرور إنها مخالفة للشرع، وأنها حرمت ما أباح الله - عَزَّ وَجَلَّ - بل إن من الفقهاء المعاصرين من يحرم مخالفة هذه الأنظمة؛ لأنَّ هذه الأنظمة شرعت من وليِّ الأمر بناء على ما فيها من مصلحةٍ للمجتمع.
ومنها: عقود بيع السيارات، والعقارات وشرائها، وعقود النكاح التي أمرت القوانين الحاضرة بتسجيلها في دوائر خاصة. فهذا خلاف ما كان عليه العمل في عهد الرسول - صَلَّى اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وآلِهَ وَسَلَّمَ - وصحابته الكرام - رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم - لكن المصلحة اقتضت هذه التشريعات.
وهذه دِولٌ شرعت تشريعات تمنع نساءها من الزواج بغير أبناء وطنهنَّ، وتمنع شبابها من الزواج بغير بنات وطنهم، وهذا خلاف ما عليه الإباحة من الزواج بكل مسلمة، أو بغير مسلمة ممن أباح الشرع الزواج منهن، بغض النظر عن جنسيتها، وما هذه التشريعات إلاَّ لمصلحة رآها المشرعون في هذه البلاد، وأمر بها ولي الأمر بمقتضى مبدأ السياسة الشرعية.
ويقول الأستاذ الدكتور عبد الله الطيار: «لولي الأمر أن يقيد المباح، بمعنى المباح العام، لا بمعنى الحق الثابت بنصوص لا مجال للاجتهاد فيها، مع اشتراط وجود دليل يؤيده، ومصلحة شرعية معتبرة يستند إليها، واعتبار ذلك التقييد
(1) المدخل (1/ 191 - 192).