من الجوانب المتعلقة بالبناء والمساكن، وهي واحدة من السياسات الحازمة الكثيرة التي طبقها في بناء دولته على غرار سياسته في المال والأرض وغيرها، مع أنه رضي الله عنه كانت له آراء قيمة تجاه البناء والعمران تمثلت في قوله: (فأما إذا فعلتم (أي البناء) فعرضوا الحيطان واطيلوا السمك وقاربوا بين الخشب (93) ولذا نجده رضي الله عنه يحظُر على ولادته اتخاذهم بناءً مميزاً على بناء المسلمين فأمر سعد بن أبي وقاص مغادرة القصر الذي أطلق عليه (قصر سعد)، كما أمر بإحراق أبواب الولاة الذي يحتجبون عن الناس (94). وكان هديه في كل ذلك سياسة الرسول صلى الله عليه وسلم العمرانية نفسها التي كانت أقرب إلى الزهد والتقشف منها إلى البذخ والترف (95).
وزيادة في الإيضاح حول موقف الشريعة الإسلامية من البناء والمساكن بعد أن تبين لنا بشكل قاطع رأي الرسول صلى الله عليه وسلم في البناء وموقف سيدنا عمر بن الخطاب إزاء ذلك الموقف الجديد الذي تبناه وقاده سيدنا أبو ذر الغفاري رحمه الله، ذلك الموقف الذي لا يقل في أثره ومعناه عن موقفه تجاه المال (96) إذ روي عنه أنه كان يرفض صداقة من يخالف رأيه العمراني بنفس الأسلوب من القوة والشدة والصرامة فيمن يخالف ويرفض رأيه المالي، حيث أنه لقي أبا هريرة الصحابي المعروف فاحتضه أبو هريرة قائلاً: مرحباً بأخي، فسأله أبو ذر هل تطاولت في البنيان؟ فأجابه أبو هريرة لا، ففرح أبو ذر وقال له: أنت أخي! أنت أخي! (97).
وفي موقف آخر له يتعلق بالبناء تراه قد هدد أبا الدرداء كيف يكف عن تحميل اللبن على أعناق الرجال لأن ذلك يتنافى كلياً مع مقصد الإسلام وسياسته في بناء دولته كما كان يرى، فما روي عنه في هذا المجال أنه مر على أبي الدرداء وهو يبني بيتاً له فقال له غاضباً: (حملت الآجر على أعناق الرجال؟! فقال أبو الدرداء: إنما هو بيت أبنية، فكرر أبو ذر قوله لو مررت بك في عذرة (غائط) أهلك كان أحب إلي مما رأيتك فيه) (98).
هذا والناظر في موقف الشريعة الإسلامية تجاه استحداث نظام جديد في البناء وتخطيط المدن في العصور التي تلت عصور الصحابة والخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم وخصوصاً في العصرين الأموي والعباسي يجد أنها لا تمانع من التطور إذا كان ذلك لا يعارض مبادئها وقواعدها العامة، فمثلاً ترى أنه في تلك العصور وبالأخص العصرين الأموي والعباسي تخصيص مساحة كبيرة للبناء إضافة إلى أنّ البناء نفسه كان يحتل مساحات شاسعة من الأرض (99)، وتمثل ذلك في القصور الفخمة ذات القبب العالية والساحات الواسعة، وذلك في مدن البصرة والكوفة وسمرقند وبخارى وقرطبة والرباط ومراكش والقاهرة بحيث إن المدن كما يقول المؤرخون كانت آيات في الجمال وروعة في الفن الذي ينم عن ذوق رفيع من حيث الجمال والأناقة والهندسة والتخطيط (100).
ب- في القانون:
وفي القانون يمكن التأكد من مساحة الأرض ومساحة البناء المسموح بهما بالرجوع إلى المكتوب والمشاهد في بنايات اليوم، وبالتأكيد سيجد الإنسان مساحات أرضية ومساحات عمرانية خيالية.
فمثلاً عندنا في الأردن أشارت المادة (5) من نظام الأبنية والتنظيم الصادر بمقتضى المادة 67 من قانون تنظيم المدن والقرى رقم 79 لسنة 1966 م إلى ما يلي (101):