(8) عدم الاغترار بالحشود المجتمعة ، وتوقع أنها لا تزال تحتاج المزيد من التربية ، والصقل ، والتأهيل ، وأن يتوقع أن هذا الحشد الجارف صورة من إفلاس الأمة خطابياً ، وأن مثله يعد امتحاناً له ، لكي يجدد نيته ، ويراجع طويته ، ويفعّل تلك المواعظ إلى أعمال وممارسات ومشاريع ملموسة ، وسؤال الله التوفيق والإخلاص في كل ذلك .
الجهاد الخطابي
إن توجه الألوف المؤلفة إلى الجوامع كل أسبوع مشعر بما لهذه الشعيرة من عظمة في حياة المسلمين ، وهذا يتعين على الخطيب الجاد ، مضاعفة الجهد واستشعار أنه في (جهاد فكري) ووعظي أمام خصوم الإسلام ، مثيري الشبه والاتهامات ، وتجاه الانفلات الأخلاقي السافر ، وانتشار الجرائم المتنوعة ، وركود دورة الإيمان ، وتقلص الطاقات ، وفشو صور الهزيمة والفساد والتخلف في أنحاء الأمة.
قال تعالى : (فَلاَ تُطِعِ الكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَاداً كَبِيراً) الفرقان:52] .
إن الجهاد الكبير الممارس في الخطابة ، قوامه العلم وحسن التفقه ، والاستعداد الروحي والفكري ، وتحسس المسئولية الملقاة على العاتق ، وأنها أثقل بكثير من مجرد نقل علم ، أو تبليغ خير ، يُقرأ في دقائق سريعة، كلا .. ولكن الجهاد الخطابي والكفاح المنبري ، يوحي بأن المسئولية عظمى ، والأمانة كبرى، والواجب شديد ، والكلمة ثقيلة ، والأمة متطلعة ...
حيث تهفو النفوس ، وتشخص الأبصار إلى منابر المسلمين ، لتسمع ما يقرره الخطباء، وما يشدو به الدعاة والعلماء ، وما يبثونه كل جمعة .
وكل ذلك يؤكد خطورة المنبر ، ومدى عمقه في نفوس الأنام ، مما هو سبيل لإشعال الحس الخطابي ، والوقود الجهادي في نفسية الخطيب ، لكي يعطي المنبر مقامه ، ويقدم له حقه وإجلاله .
(ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ) [الحج : 32] .