تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لو تأمل المتأمل ، وانتبه النبيه في حلقته ، ومدرسته وجامعته ، أن في الأفق ما يلوح ، وفي المزاهر ما يلمع ، وفي الألسن ما يرنّ ويطيب، بحيث يصلح أن يكون الخطيبَ المرتقب ، والمتحدث النبَّار (1) ، الذي يبدو من نعومته خطيباً ، ومن صباه لسناً أريبا ، فيصنعه الإمام ، ويهيئه المعلم ، ويقذف في قلبه نور الإيمان ، وينابيع الحكمة ، ويحلي لسانه بنوادر الخطب ، ولوامع الأشعار ، ليزدانَ عذوبةً وسهولة ، ويفوقَ رجاحةً وفخامة .

يصنعه للمستقبل ، وينيبه عند النوائب والشواغل ! فلقد أوتينا نعمة، وامتن الباري بمنةٍ ورحمة ، وذا هو الخطيب خِلقه وفِطرة ، فهو (خطيب النفس) كما قالوا فقيه النفس .

وما أخلَقه بقول القائل :

إذا وُلد المولودُ منا تهلَّلت ...

له الأرضُ واهتزت إليه المنابرُ

فأعد لك خلَفاً ، وانشر عبَقاً ، وابقِ فضلاً وذخراً وإياك وسداد الفراغ بمسودات الأوراق، ورَدْم الخروق ، بالقاصي والمخروق !

العصف المنبري

لهيبته في قلوب أهله ، يشتت أذهانهم ، ويعصف بهمومهم ويشيب رؤوسهم ، وقد قيل لعبد الملك بن مروان (عَجِل عليك الشيب

يا أميرِ المؤمنين ! فقال : كيف لا يعجل عليَّ ، وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين ، أو قال : شيبني صعودُ المنابر والخوف من اللحن) (جمهرة خطب العرب3/360) .

وذا هو العصف المنبري الذي يكدر الخاطر ، ويشيب له المفرق ، ويرق له الجسم، ويكبر به الهم !

ولكن عند أهله النُجُب ، وحملته الغُيُر ، الذي يتخذونه عبادة لا ريادة ، ويرأسونه استحقاقاً لا استرزاقاً ، ويؤدونه بعناية لا طمعاً وجباية. والسلام .

الخطيب القراء

كل من يعرض عقله على الناس أو يوزع فكره في الخلائق لابد له من موارد يرتادها ، ومن منابع يرتشف منها حتى لا تفرغ الجعبة، ولا يجدب المتجر ، ويكون التكرار ويصاب بالإفلاس !

(1) النبار : البليغ الفصيح .

هيبة المنبر · الصفحة ٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

هيبة المنبرص ٤٥