ومن المناسب في فقه الخطاب مراعاة مستوى (ثقافة الحضور) ومقدار استيعابهم ، فلا يُحدَّث العوام بالقضايا المصيرية والفلسفية التي تتجاوز حدود فهومهم ، وفي القرآن (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [ النحل : 125 ] .
وقد قال علي رضي الله عنه (حدِّثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله)؟! وفي مقدمة مسلم عن ابن مسعود (ما أنت محدث قوماً حديثاً ، لا تبلغه عقولهم ، إلا كان لبعضهم فتنة) !
قد تنقلب الخطبة الرائعة الوفية إلى نوع من المعاني المغلوطة والأفكار المقلوبة ، التي تحدث أمراً عكسياً على نفوس الحاضرين .
كالذي يتحدث عن الأسماء والصفات ، وهو مبحث عقائدي شائك أمام عامة يصفون الله بصفات الجمال والجلال والعظمة ! فلا داعي لذكره والتنقيب فيه .
ويجب عند العامة تحاشي التفاصح المبالغ فيه ، وغرائب الكلمات التي لا تستعمل إلا أمام النخبة من المثقفين ! ولا يعني ذلك تجويز استعمال العامية وانخفاض اللغة ! كلا ولكن يرسل الكلام إرسالاً دون مبالغة وتفاصح وتقعر ، أما الحديث بالعامية فمذموم في الخطبة ، لرداءتها واعوجاجها ، بل يجب أن تكون الخطبة فصيحة بليغة كما أفاده النووي في المجموع . (4/358)
والخطبة بالعامية لا تقل شناعة عن الخطيب اللحان ، فهي آفة لسانية ، مكدرة للدعوة ، مزرية بالمتحدث ، مفسدة للذوق اللغوي .
ويغلب على خطاب النخبة الخطاب العقلي، والرقمي الذي يدقق ويقرر ، ويحلل الظواهر ، ويقدم الرؤى المرشحة في ذلك ، ويميل للتقلل العاطفي .
أما من دونهم ، فيجنح الخطاب إلى الإيغال العاطفي والتعبئة الروحانية والأدبية ، حتى تزكو الأنفس ، وتُهرع للحسنات وتسلم
الآفات . ويعتمد التقليل من الخطاب العقلي إلى حد ما . وهذه هي الحكمة المنشودة ، والتفقه الذكي الألمعي (قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ) [البقرة :60].