وقد كشفت هذه الرواية وجه الخلل في رواية يحيى بن سلام الذي جعل هذا الحوار بين أبي أمامة والنبي r، بينما هو بين أبي غالب وأبي أمامة؟
كما كشفت رواية حماد بن زيد ورواية داود بن أبي السليك وجه الخلل في رواية من روى عن أبي غالب حديث الافتراق مرفوعاً إلى النبي r بينما الصواب أنه موقوف من كلام أبي أمامة، وإنما المرفوع حديث الخوارج، والدليل عليه أن الحفاظ رووا قول أبي أمامة لما سئل هل سمع حديث الخوراج من رسول الله r فقال: "إني إذا لجريء! كيف أقول هذا عن رأيي، لقد سمعته غير مرة ولا مرتين" بعد روايته لقصة الخوارج وأنهم شر قتل تحت أديم السماء. فوهم قطن بن عبد الله فرواه كما عند ابن أبي عاصم في السنة عن أبي غالب عن أبي أمامة قال: "افترقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة" فقال له رجل: من رأيك أم سمعته من رسول الله r ؟ فقال: " إني إذا لجريء، بل سمعته من رسول الله r غير مرة ولا مرتين ولا ثلاثة".
وإنما قال أبو أمامة هذا الكلام بعد أن ذكر حديث الخوارج كما في روايات الحفاظ الإثبات، وكما فصلته رواية حماد بن زيد وداود بن أبي سليك.
وكذا وهم قريش بن حيان وسلم بن زرير حيث جعلا كلام أبي أمامة الموقوف في الافتراق مرفوعاً إلى النبي r !
وسلم بن زرير ضعفه يحيى بن معين، مع كونه من رجال الشيخين. [95]
وذكره النسائي في الضعفاء وقال:" ليس بالقوي" [96].
وقال ابن حبان:" كان الغالب عليه الصلاح يخطئ خطأ فاحشاً، لا يجوز الاحتجاج به إلا فيما وافق الثقات". [97]
وقد يكون هذا الوهم من أبي غالب نفسه، فقد قال عنه ابن معين "صالح الحديث" [98]،وقال الدارقطني تارة "ثقة"وتارة "يعتبر به" [99]،وأجمل ابن حجر فيه القول بقوله "صدوق يخطئ". [100]
وقال عنه ابن سعد:" منكر الحديث". [101]
وقال عنه النسائي:"ضعيف". [102]
وقال عنه أبو حاتم:"ليس بالقوي ". [103]
وقال عنه ابن حبان:" منكر الحديث على قلته لا يجوز الاحتجاج به، إلا فيما يوافق الثقات، وهو صاحب حديث الخوارج". [104]
وقد روى هذا الحديث عن أبي أمامة جماعة سوى أبي غالب فلم يذكروا إلا حديث الخوارج وليس في روايتهم حديث الافتراق، ومنهم:
أ- شداد بن عبد الله:
كما عند عبد الله بن أحمد [105]، والحاكم. [106]
ب - سيار الشامي: رواه أحمد. [107]
ج- صفوان بن سليم: كما عند أحمد. [108]
فاجتمع في رواية حديث الافتراق عن أبي غالب أربع علل:
1 ـ أن أكثر الرواة رووا عنه حديثه في الخوراج ليس فيه حديث الافتراق.
2 ـ وأن رواية حماد بن زيد وداود بن أبي سليك فرقتا بين روايته لحديث الخوارج المرفوع، وروايته لحديث الافتراق الموقوف عليه من كلامه، وفصلتا بينهما وكشفتا وهم من وهم عليه في ذلك.
3 ـ أن أبا غالب متكلم فيه وقد ضعفه جماعة من الأئمة، وذكر ابن حبان أن سبب تضعيفه كونه منكر الحديث لا يقبل منه إلا ما تابعه عليه الثقات.
4 ـ أن الثقات غيره ممن رووا هذا الحديث عن أبي أمامة لم يذكروا حديث الافتراق هذا، فعلى فرض ثبوته عنه فهو من مناكيره التي تفرد بها مع ضعفه.
سابعا: حديث أنس بن مالك في الافتراق:
وقد رواه عنه جماعة:
1 ـ قتادة بن دعامة:
رواه ابن ماجه [109]، وأبن أبي عاصم [110]، كلاهما عن هشام بن عمار ثنا الوليد بن مسلم ثنا الأوزعي ثنا قتادة عن أنس مرفوعاً" إن أمتي ستفترق على أثنيتين وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة ".
وفيه أربعة علل:
أولا: ضعف في هشام بن عمار كما قال الحافظ ابن حجر عنه: "صدوق كبر فصار يتلقن". [111]
ثانيا: كون الوليد بن مسلم مشهورا بتدليس التسوية، ولم يذكر فيه سماع قتادة من أنس، فقد يكون أسقط بين قتادة وأنس راويا ضعيفا، ومثله لا يقبل منه إلا أن يصرح بالسماع بين كل راو شيخه. [112]
ثالثا: عنعنة قتادة وهو مشهور بالتدليس وقد جعله الحافظ في المرتبة الثالثة [113] فلا يقبل من حديثه إلا ما صرح فيه بالسماع.