وفى الحديث "وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا" ، وهنا يترك القاتل فلا يقتل، ولكن من حق الدولة أن تعاقب الذين يعكرون صفو الأمن بما ترى من عقوبات. وربما تساءل بعضهم: لماذا يسقط القصاص بعفو ولى الدم؟ والجواب: إن الملابسات التى تحيط بالجرائم كثيرة، وهناك ناس لا يجرحهم المصاب المادى قدر ما يؤذيهم الهوان الأدبى، فإذا ضربه قوى طاغ لم يحزن لألم بدنه كثيرا، إنما كان حزنه الأهم الأعم لقدرة غيره عليه وللضعف الذى جرأ الآخرين على إساءته . . ويذهب هذا كله عنه يوم يملك حق الإحياء والإماتة لخصمه، ويوم يلجأ الناس إليه طالبين عفوه وآملين أن تكون يده العليا، إن هذا يكفيه ويشفيه. وانتهاء الحق الفردى لا ينهى حق الجماعة كما أسلفنا . ص _195
.. 8 ..
التعازير
للدولة أن تنشى ألوانا من العقوبات التى تبسط رواق الأمان على المجتمع وتمنع النزوات أن تثير الفوضى والظلم فى جوانبه .
وقد علمنا أن هناك جرائم لم يتحدث الشرع أصلا عن عقابها الدنيوى كأكل الربا، أو خيانة الشركة، أو الفرار من القتال، أو غش السلع والأدوية وما أشبه ذلك من المعاصى . .
والقضاء يقدر على استئصال هذه الجرائم بما يناسبها من نكال، له أن يجلد، أو يسجن، أو يفرض غرامات مالية.. وربما بلغ الأمر حد القتل فى قضايا التجسس والخيانة العظمى . .
والعالم أجمع يعترف بمبدأ العقوبة على شتى المخالفات، ولكن التفاوت بين أقطاره يقع فى كمها وكيفها بحسب ما يكتنفها من أحوال . .
ويدخل فى دائرة التعزير أن تنضبط مع قواعد العدالة فلا تبلغ حد الجور فى الشدة، ولا حد الاستهانة فى الخفة، ولذلك ينبغى أن تضعها هيئات متخصصة فى الفقه والتربية والإصلاح الاجتماعى.. وأن تدع للقاضى حرية التصرف بين درجات عليا ودنيا فى الأجزية المقترحة . .
كما أنه يجب أن يعرف أنه لا عقاب إلا على ذنب، وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم" ظهر المسلم حمى إلا بحقه " .