إرادته على أنواع الخلق، إذ "الحاكمية" بهذه الصفة أقرب إلى ذات الله منها إلى أحد الناس، ولأنه يوجب على الحاكم أن يستشير، وعلى من حوله أن يشير . ولأنه إذا أخطأ فرض على الأمة أن تنصحه، وأن تنقد خطأه . ولأن الحاكم والمحكوم فى نظر الإسلام يخضعان لعقائد وشرائع جامعة لا يمكن التفريط فيها ولا الإفلات منها . ونخلص من هذا الاستعراض الموجز، إلى أن الإسلام يجعل الدولة للفرد فى الحدود التى تصون كرامته الإنسانية وخصائصه الفردية . ويجعل الفرد للدولة فى الحدود التى تعلو بها رسالتها- التى هى رسالة السماء- وتخفق بها رايتها- التى هى راية الحق - . ص _174
الحدود هل أرصد الإسلام لكل خطأ عقوبة عاجلة ؟ لا، فما أكثر الأخطاء التى يرتكبها الناس ولا تلقى أكثر من الزجر والتوبيخ، أو من النصح والإرشاد... خذ مثلا الكفر نفسه، وهو أكبر الأخطاء، وأشدها فحشا... إن الإسلام لم يلقه بعقاب معين . لقد اعتبر الكافر شخصا مخطئا، ولكن ماذا يصنع له مادام كفره لم يدفعه إلى اعتداء أو أذى ؟ إنه يحيا مع غيره من المسلمين، مرعى الذمام، مكفول الحق..!! وهناك أخطاء كثيرة كعقوق الوالدين، وأكل الربا . إن الإسلام يعتبرها جرائم نكراء، ولكنه لم يكتب لها حدودا خاصة . الجرائم التى انبرى الإسلام لكفاحها، ولم يترك لبشر تقدير العقاب فيها هى: القتل، والزنا، والسرقة، والقذف، والسكر... هذه الجرائم تولى الله ورسوله تأديب مرتكبيها، وبيان ما يستحقون من أذى.. ونحن- المقروحين من ذئاب الأعراض والأموال والدماء- نعرف مدى العدالة التى تتحقق بإنفاذ هذه الأوامر الإلهية العالية . ولكن يبدو أن كثير من الناس لا يدرى متى تقام الحدود، ومتى يؤخذ بتلابيب الخطائين . ولو عرف الحقيقة لاطمأن ضميره إلى حكم الله، وأدرك أنه: عدالة ورحمة معا. ص _175