وهكذا تؤول سائر فضائله رضي الله عنه، فيقال مثلاً في قوله صلى الله عليه وآله وسلم له : ((أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي))، لو علم النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صحبته خيراً أو لرأيه ومشورته منفعة لاصطحبه معه في تلك الغزوة -أي : غزوة تبوك- ففي هذه الغزوة لم يأذن لأحدٍ بالتخلف عنها وهي آخر مغازيه، ولم يجتمع معه أحد كما اجتمع له فيها، فلم يتخلف عنه إلا النساء والصبيان أو من هو معذور لعجزه عن الخروج أو من هو منافق، ولم يكن في المدينة رجال من المؤمنين يستخلف عليهم كما كان يستخلف في كل مرة، بل كان هذا الاستخلاف أضعف من الاستخلافات المعتادة؛ لأنه لم يبق في المدينة رجال من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم أحد كما كان يبقي في جميع مغازيه، وقد اصطحب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من يعظم انتفاعه به ومعاونته له، ويحتاج إلى مشاورته والانتفاع برأيه ولسانه ويده وسيفه، والمتخلف إذا لم يكن له في المدينة سياسة كثيرة لا يحتاج إلى هذا كله.
وقد أدرك علي رضي الله عنه ذلك -أي : أنه لا فائدة ترجى من ورائه إن بقي- فأخذ على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، وتواتر قوله للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : ((يا رسول الله، تخلفني مع النساء والصبيان))؟ وفي بعض الروايات : أنه لحق به، فقال صلى الله عليه وآله وسلم : ((يا علي، ألم أخلفك على المدينة؟ فما زال يعارض ذلك حتى استرضاه النبي صلى الله عليه وآله وسلم حيث قال له : أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي؛ ويؤول هذا -أيضاً- بأن المراد بالمنزلة التخلف والمكث عند من بقي من النساء والصبيان فحسب كما تخلف هارون على من بقي لما خرج موسى للقاء ربه.
وهذه -أيضاً- لا تخلو من معارضتها لعقيدة العصمة، فلا بد أن يكون ما اتخذه النبي صلى الله عليه وآله وسلم صوابا وذلك لعصمته، أو خلاف ذلك بدلالة اعتراض الأمير على ذلك.