تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد نمت اللجنة نموا مطردا من حيث أعضائها، إذ تجاوزوا الثمانين من خيرة رجال مصر، ومن حيث إنتاجها إذ بلغ ما أخرجته أكثر من مائتي كتاب، ومن حيث ماليتها إذ بلغ ما تملكه من كتب في مخازنها ومال في مصرفها آلاف الجنيهات. وكانت أول مؤسسة في الشرق للتأليف والترجمة والنشر، ثم حذت هيئات كثيرة حذوها، وأنشئت الدور المختلفة في الشرق لهذا الغرض، وفاقها بعضها من الناحية التجارية والمالية وإن لم يفقها من الناحية العلمية.

عدلت إذن عن إنشاء مكتب للنشر - وفي ليلة من ليالي رمضان سنة 1946 - وكنت أصيف في الإسكندرية - أتتني دعوة من المرحوم النقراشي باشا لأقابله في مصيف في محطة فكتوريا برمل الإسكندرية، فذهبت إليه فعرض علي أن أكون رئيس تحرير جريدة يريدون إنشاءها لتكون لسان حزب السعديين وهي جريدة «الأساس»، فاعتذرت في الحال محتجا بأني لم أشتغل بالصحافة إلا على هامشها، وفرق بين صحيفة أدبية كالثقافة وصحيفة سياسية كالأساس، ثم هذا العمل يتطلب انغماسا في السياسة إلى الأعماق وقد كرهت العمل فيها من قديم، ثم هو يتطلب الكتابة في تأييد الحزب تأييدا مطلقا، والخضوع لآراء قادة الحزب وأفكارهم، ومهاجمة الآراء المعارضة وتوهينها والحط من شأنها، وهذا ما لم أرتضه لنفسي في حياتي، فقد تلونت باللون العلمي الذي يبحث الأمر وهو على الحياد، ثم يرتقب النتيجة كائنة ما كانت، وليس هذا منهج السياسة الحزبية؛ وأخيرا هذا العمل يتطلب سهرا بالليل ونوما بالنهار، ومقابلة زيد وعمرو وتلقي الأفكار من زيد وعمرو وهو عمل لا أرتضيه ولا تحتمله صحتي، فقال رحمه الله إنك تسرعت في الحكم، وخير أن تفكر يومين أو ثلاثة في الأمر، فقبلت وفكرت ثم قابلته ورفضت. واكتفيت أن أعمل الأعمال التي لا تتطلب جهدا عنيفا، فأنا أعمل في لجنة التأليف وفي الجامعة الشعبية وفي دار الكتب وفي المجمع اللغوي وفي اللجان المختلفة التي أنا عضو بها، وإلى جانب ذلك أستمر في الكتب التي أؤلفها والمقالات التي أنشرها، والأحاديث التي أذيعها.

ولم ألبث إلا قليلا حتى عرض علي أن أكون مديرا للإدارة الثقافية في الجامعة العربية، فقبلت بكل سرور، لأنه عمل ثقافي من جنس عملي، ومحقق لرغبتي في السعي للتعاون العلمي بين الأقطار العربية.

فأنا وإخواني في الإدارة الثقافية ننشئ معهدا للمخطوطات نريد به أن نصور كل المخطوطات القديمة في العالم على أفلام صغيرة ونشتري الآلات اللازمة لذلك، ونصور أهم المخطوطات في دار الكتب وفي الجامعة المصرية وفي بلدية الإسكندرية وفي سوهاج ونبعث لتصوير المخطوطات في الشام ولبنان، وأخيرا نبعث بعثة إلى الآستانة لتصوير جزء كبير من مخطوطاتها القديمة وهكذا، ونضع خططا للتعاون الثقافي عن طريق ترجمة الكتب القيمة، وعن طريق السينما والإذاعة.. إلخ. ونفتتح عملنا أيضا بالتحضير لمؤتمر ثقافي يبحث في مناهج اللغة العربية والجغرافيا والتاريخ والتربية الوطنية في الأقطار العربية والقدر المشترك الذي ينبغي أن يوحد بينها والقدر الذي تستقل به كل أمة. وقد تم تحضير هذا المؤتمر وتحضير مؤتمر آخر للآثار الشرقية في بضعة أشهر، وعقد المؤتمر الثقافي في بيت مري في لبنان في صيف سنة 1947 ومؤتمر الآثار في دمشق عقبه مباشرة، وقد كنت في هذين المؤتمرين أغبط نفسي على نشاطي وحركتي واشتراكي الجدي في العمل.. وتحاول هذه الإدارة الثقافية أن تنشئ متحفا للثقافة فتتمه، وأن تستخدم السينما والإذاعة في التقريب بين العالم العربي، كما تحاول أن تنشئ علاقة متينة بينها وبين اليونسكو في الشئون الثقافية وبخاصة ما يتعلق منها بالعرب.

وفي هذه الآونة انتقلت من مسكني بمصر الجديدة الذي سكنته أكثر من عشرين عاما إلى مسكني في الجيزة ليكون أبنائي قريبا من الجامعة.

حياتي · الصفحة ٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٨٩