تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

| الفصل الرابع والثلاثون

ويوما من الأيام، وكل شيء يسير على طبيعته والحياة تجري على سنتها، والآمال مفتحة كعادتها، والعمل يتبع نهجه المألوف، فأنا عاكف على القراء والكتابة والدرس والتحصيل والإنتاج، وإذا بي فجأة أرى كأن نقطة سوداء على منظاري، فأظنها أول الأمر نقطة ماء سقطت عليه فأمسحها، ثم أضعه على عيني فأرها كما كانت. وإذا العيب في العين وليس في المنظار، واليوم يوم وقفة عيد الأضحى والناس حتى الأطباء في شغل بأمر العيد، فأبحث عن طبيب فلا أجده ثم أعثر عليه بعد لأي.

هذا هو الطبيب يكشف على عيني وأنا واجف من النتيجة خائف أترقب، والطبيب يفحص ويطيل الفحص بأدواته، ثم تظهر في وجهه ملامح الكآبة ولا يلبث أن يقول: - خير لي أن أصارحك أن المرض انفصال الشبكية. - هل لها من دواء يا دكتور؟ - لا دواء إلا عمل عملية. - هل هي قاسية؟ - نعم، إنها تحتاج إلى شهر ونصف أو شهرين مغمى العينين، متخذا وضعا واحدا.

اضطربت لهذا النبأ وأحسست خطورة الموقف. وأكبر ما جال في نفسي شعوري بحرماني من القراءة والكتابة مدى طويلا، وأنا الذي اعتاد أن تكون قراءته وكتابته مسلاته الوحيدة.

ولكن كثيرا ما يخطئ الطبيب فيشخص المرض على غير حقيقته، فلعله واهم. ولعله أخطأ التشخيص، وكثيرا ما يحدث، وكثيرا ما نسمع الأحاديث عن أطباء شخصوا فأخطئوا التشخيص وعالجوا فأساءوا العلاج، فلأذهب إلى طبيب ثان وثالث من كبار الأطباء حتى أستيقن المرض، وهكذا فعلت، ولكن - مع الأسف - كلهم أجمعوا على التشخيص وطريق العلاج.

بدأ الطبيب المعالج يباشر علاجه: فها أنا في المستشفى والطبيب يعصب عيني قبل العملية بأسبوع، وها أنا ذا في ظلام حالك ليل نهار، دنياي كلها ليل، بل أكثر من ليل، فالجلسة محرمة، والتقلب على الجوانب محرم، كأني قد شددت على السرير شدا، بل أصعب من الشد، لأن إرادتي هي التي تشدني، فاحتملت في صبر، وبدأت أفكر في الدنيا وهوانها وسخافة الناس الذين يشغلون أنفسهم بالتافه من أمورها، ويتحاربون ويتشاجرون على الحقير من متعها، وهي عرضة في كل وقت للزوال، ولو عقلوا لما تخاصموا ولا تحاربوا وكانوا إخوانا متحابين متعاونين، يأخذون الأمور بهوادة وحكمة وحسن تقدير وتفكير في العواقب.

حاولت أن يكون ظلامي مضيئا، فلئن حرمت النور من العينين فليستنر قلبي، ولئن حرمت نور البصر فلتضئ بصيرتي، ولكن كنت أنجح في هذا حينا وأخفق أحيانا، فقد اختلف الإلف والعادة وكنت أشعر دائما أن العينين هما الكوتان اللتان تطل منهما نفس الإنسان على الدنيا، فإذا عدم النظر فقد أغلقت الكوتان، وحبست نفس الإنسان؛ وأحيانا كنت أتردد بين الأمل في عودتي إلى ما كنت عليه وأن تجري الأمور في المستقبل القريب كما جرت في الماضي، فأشعر بالطمأنينة والراحة، وبين اليأس والخوف من الظلام الدائم، فيستولي علي الفزع والهلع؛ وأرهب ما يكون إذا تقدم الليل وانقطع الزوار وانصرف الأهل، ونام الناس، واعتراني القلق، وشعرت بالوحدة، واستولت علي الأفكار المظلمة، فاجتمع علي ظلام الليل وظلام النفس.

أستجدي النوم فلا يجدي، وأفزع إلى الأفكار المطمئنة فلا تسعف، وأعد ساعة الجامعة بالقرب مني ربعا فربعا، وتغفو عيني غفوة فأظن أن الليل انقضى ببؤسه وشقائه، ثم أتسمع إلى حركة الشارع لعلي أتبين منها قرب النهار، فأسمع حركة عربات وسيارات ومارة، فأتساءل: هل الناس عائدون من آخر سهراتهم أو هم مستقبلون لبدء نهارهم؟ وهل هذه الحركة حركة متأخرة، أو حركة مبكرة؟ وأظل في هذا الشك زمنا بين رجاء أن يكون الصبح وخوف أن يكون الليل، وإذا بالساعة تدق الحادية عشرة أو الثانية عشرة، فأجزع من أني مقبل على ليل ليس له آخر، وأنشد مع الشاعر:

يا ليل بل يا أبد

أغائب عنك غد؟

حياتي · الصفحة ٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٩٠