تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانت هذه الرحلة كبيرة الأثر في نفسي، فقد استطعت أن أخلو في لندن إلى أصدقاء لي ممن خبروا إنجلترا خبرة طويلة وأقاموا فيها زمنا طويلا قبل الحرب وأثناء الحرب وبعد الحرب؛ فأصغيت إلى حديثهم في شئون إنجلترا الاجتماعية وتطورها وما فعلت الحرب فيها، ورأيت كبار الإنجليز وسمعت أقوالهم، وأصغيت إلى تفكيرهم، فإذا هم ناس كسائر الناس، وعقليتهم كسائر العقليات، مزيتهم في اعتمادهم على الاختصاصيين الذين تخصصوا في كل موضوع وعرفوا دقائقه، فإذا جد أمر استعانوا بهؤلاء الخبراء وأصغوا إلى نتيجة خبرتهم وكونوا من ذلك آراءهم، وأكبر ما يمتازون به علينا توزيع الاختصاص، والنظام الدقيق، وثقة الكبير بالصغير والصغير بالكبير، ومعالجتهم الأمور معالجة علمية منظمة، فكل شيء مدروس ولا شيء مرتجل، والغرض محدود وأساليبه مرسومة، لا ارتجال ولا فوضى ولا تفكير عفو الساعة.

كما أعجبني بالشعب ديمقراطيته الحقة، فكل إنسان ينظر إليه على أنه إنسان كبيرا كان أو صغيرا، ولا يحق للوزير أن ينال شيئا يمتاز به عن الصانع الصغير؛ هذا وزير خارجية إنجلترا يلبس قميصا بليت ياقته، وهذا وزير المستعمرات يقول في بعض أحاديثه معنا: إنه لم يشتر بدلة جديدة منذ نشوب الحرب، وهذا الوزير الكبير يذهب بطبقه وسكينته وشوكته وفنجانه ليأخذ الشاي، وهذا وكيل وزارة يشهر بزوجته لأنها أخذت قنطارا من الفحم زائدا عن سائر الناس وإن كانت في حاجة إليه لأنها تسكن بيت مهجورا مرطوبا يحتاج إلى نار أكثر لتذهب برطوبته. وهذه «الطوابير» المنظمة في كل شيء لا يحق لأحد فيها أن يتقدم من قبله، والموظف الكبير يقف وراء العامل الصغير حتى يأتي دوره، وهذه الاشتراكية قد بلغت في الحياة الاجتماعية مبلغا كبيرا: فرفع مستوى العمال وطبق العدل الاجتماعي تطبيقا دقيقا، وعلا مستوى المعيشة للفقراء، وكثرت الضرائب على الأغنياء حتى لا يستطيع غني مهما كان أن يربح في العام أكثر من خمسة آلاف جنيه تقريبا، فاستوى الجميع في الحقوق والواجبات، وقلت الفروق بين الطبقات. حياة هادئة منظمة ومريحة، فإن أنا نظرت إلى الشعب وأخلاقه وسلوكه سررت وأعجبت، وإن أنا نظرت إلى السياحة الخارجية وما يفعل الاستعمار الإنجليزي في الشرق ألمت وتقززت.

وخطفت رجلي بعد ذلك فذهبت مع بعض أصدقائي إلى سويسرة، نعمنا بمناظرها الطبيعية أياما، ومنها إلى مرسيلية ننتظر الباخرة أياما، ونخرج كل يوم إلى ضاحية من ضواحيها فننعم بشمسها ودفئها ومناظرها، ثم نعود إلى مصر، وقد كسبنا كل شي إلا ما يتصل بفلسطين.

| الفصل الثالث والثلاثون

وأحلت إلى المعاش بعد أن بلغت سن الستين، وكم كنت أتمنى أن أخرج من وظائف الحكومة وأنا في غير سن الكهولة لأعمل حرا؛ لا تقيده اللوائح والقوانين، ولا يطبع بطابع الموظفين، ولكن لم يكن لي من الشجاعة ما أرفض به الوظيفة و«الولد مجبنة مبخلة» وربما كان السبب أيضا أن وظيفة الأستاذ في الجامعة من أبعد الوظائف عن السلطة الحكومية، وأنها تتفق مع مزاجي إذا خلت من الصبغة الإدارية واقتصرت على الاتصال بالكتب والاتصال بالطلبة.

على كل حال بقيت في الوظيفة إلى الستين، وخفت من الفراغ الذي سأقابله إن خلصت من الوظيفة ففكرت ماذا أعمل: فكرت أن أكون هيئة لنشر الكتب القديمة، أستقل بالعمل فيها، ويكون لي ربحه المادي والأدبي أو خسارته، ولكن حال دون ذلك اتصالي بلجنة التأليف والترجمة وإشرافي عليها أكثر من ثلاثين عاما، فعمل اللجنة من جنس ما أنوي أن أعمل، ولكنه مقيد بمجلس إدارة قد يقيد حريتي فيما أنشر، ويسألني عن عملي هل خسر أو ربح وأنا أريد عملا لا يسألني عنه أحد، وعرضت على زملائي في لجنة التأليف أن أستقيل فأبوا، ولم يكن عندي من الحماسة ما يجعلني أصمم على الانفصال، وبقيت في اللجنة أشرف عليها وهي عزيزة علي، فقد صحبتها منذ أول عهدي بالشباب، وصارت جزءا من نفسي، نمت بنموي وإن لم تشخ شيخوختي - استفدت منها تجارب كثيرة في التأليف والترجمة والطبع والنشر ومتى تروج الكتب ومتى لا تروج، وعلاقتنا بالعالم العربي من حيث تصريف الكتب وما إلى ذلك. وحازت اللجنة ثقة الناس بما تخرج، إذ لا تقدم على طبع كتاب حتى يقرأه الخبيرون ويقروا صلاحيته، كما اكتسبت من زملائي في اللجنة آراء قيمة، إذ كانت اللجنة بجانب إنتاجها العلمي والأدبي منتدى يجمع الأصدقاء والزائرين وبخاصة في مساء الخميس من كل أسبوع، تطرح فيه الموضوعات المختلفة حيثما اتفق، وتتبادل الآراء من ثائرين ومعتدلين ومحافظين، ويتحدث المجتمعون عما طالعوا من كتب وما عرض لهم من آراء، أو تتبادل فيه الشكوى من حالة الشرق وعيوب المجتمعات، وما إلى ذلك من أحاديث ممتعة طريفة.

حياتي · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٨٨