فلما مرضت المرض الأخير، استقلت من رياسة مجلس إدارتها وصممت على الاستقالة وتخففت من كثير من اللجان. وأرسل إلي وزير المعارف إذ ذاك بكتاب، جاء فيه: «كنت أود أن تحظى المؤسسة بجهودكم الطيبة، وآرائكم السديدة ولكني اضطررت عملا بنصح أطبائكم أن أقبل استقالتكم مع الأسف الشديد». «وإني أنتهز هذه المناسبة فأشكر لعزتكم ما قدمتم للثقافة عامة ومؤسسة الثقافة خاصة من عمل طيب وجهد مشكور راجيا لكم حياة سعيدة وصحة كاملة موفورة».
وحدث بعد ذلك حادث غريب يعد من أعاجيب القدر، ذلك أني في يوم من صيف سنة 1946 ذهبت إلى دار الحكومة في «بولكلي» بالإسكندرية لزيارة صديق لي هو سكرتير مجلس الوزراء،
1
وعند خروجي إلى فناء الدار وجدت سيارة وقفت ودعيت إلى الركوب، فإذا فيها أستاذنا أحمد لطفي السيد وزير الخارجية إذ ذاك، فدعاني أن أصحبه لتشييع جنازة فشيعناها ورجعنا، ودعائي أن أصحبه إلى حجرته بوزارة الخارجية فصحبته، وجاء وكيل الخارجية يعرض عليه أمرا لم أتبينه، ثم التفت إلى الوزير وقال: ما رأيك في السفر إلى لندن عضوا مع ممثلي مصر في مؤتمر فلسطين؟ فاعتذرت، فسألني عن السبب فقلت إني رجل علم أو - على الأصح - أنتسب إلى العلم، ولم أشتغل بالسياسة إلا على هامش حياتي، وأمور السياسة تحتاج إلى درس طويل ومران كثير، فقال: لا بأس من وجود العالم بجانب السياسي، وصمم فقبلت، واستأذن الجهات المختصة وأنا جالس فقبلت، وخرجت مستغربا كيف دخلت وكيف خرجت. واستعددت للسفر: وأخذت أبحث في المكتبات عن الكتب التي ألفت عن مشكلة العرب والصهيونية في فلسطين، وأقرأ التقارير التي كتبت وأودعت وزارة الخارجية أو الجامعة العربية، والكتاب الأبيض وغير الأبيض ... ثم ها أنا ذا أركب الطائرة من محطة ألماظة إلى لندن أول مرة من ركوبي الطائرة في حياتي، فما أعجب ما يفعله الزمان..! لقد كنت في مبدأ حياتي لا أعرف ركوب القطار حتى بلغت السادسة عشرة، ولما ركبته إلى طنطا حزنت وبكيت، وها أنا ذا أركب الطائرة من مصر إلى لندن وأنا لا أحزن ولا أبكي.
وأخاف أول الأمر والطائرة ترتفع وتضطرب، ودليل الطائرة يقول: إننا على ارتفاع ألفي قدم، ثم يقول أربعة آلاف ثم يقول ستة آلاف إلى ثمانية آلاف، لكن بعد أن استوت الطائرة وملكت زمامها في الجو اعتدناها واطمأنت نفوسنا بعض الشيء إليها، ورأيت من بجواري فيها من كبار رجال السياسة وممن اعتادوا ركوب الطائرات وضعوا رءوسهم على مقاعدهم وناموا نوما هادئا مطمئنا كأنهم في غرفة نومهم، فاطمأننت بنومهم، ولكني لم أستطع أن أسير سيرتهم، فلم تذق عيني النوم إلا إغفاءة غفوتها بين مالطة وباريس. ونزلت الطائرة لندن بعد سبع عشرة ساعة، فما أضعف الإنسان وأقواه، وما أقدره وما أعجزه!.
وأجد نفسي في جو سياسي لم أعتده، بين كبار الساسة من العرب يتناقشون ويتجادلون على غير النمط الذي ألفته في مجالس الكليات ومجلس الجامعة، فهم يراعون اعتبارات ونزعات واتجاهات لا يراعيها العالم، فأسمع أكثر مما أتكلم، ولا أشترك في المناقشة إلا بقدر، ولا أبدي الرأي إلا في المسائل الهامة.
ثم أنتقل خطوة أجرأ، فأنا والممثلون العرب على المائدة المستديرة أمام مستر بيفن وزير الخارجية البريطانية وأمام وزير المستعمرات والمختصين بالأمور الشرقية في إنجلترا، نتبادل الخطب والآراء ونستمر على ذلك أياما، ثم تشكل لجنة صغيرة من ممثلي العرب وممثلي الإنجليز، يضعون مشروع اتفاق ونستشار في كل خطوة من هذا الاتفاق، حتى إذا فرغت اللجنة عرض الاتفاق على الهيئة العامة من الإنجليز والعرب، فإذا بنا نسمع من الإنجليز أنهم عرفوا وجهة نظرنا وعرفنا وجهة نظرهم، وسيبحثون الأمر فيما بعد، وسيخبروننا بالنتيجة وسيدعوننا إذا دعت الحال، ومع السلامة!!