لاحظت كثرة الشيب في رأسي، فبدأ شعوري بكبر سني، وزاد هذا الشعور ما كان يبدو على بعض الشبان من تقديمي أمامهم في السير وإخلاء أماكنهم ليجلسوني، وكان كل هذا إكراما لاذعا.
لتمنيت أن تنقلب السفينة طائرة.
وختمت هذه الرحلة بمأساة سماها أستاذنا علي بك فوزي لما علم بها «آية الكرسي»؛ ذلك أنه قبل وصول الباخرة إلى الإسكندرية بيوم صعدت فوق ظهرها وأردت الجلوس على كرسي من قماش من النوع المعروف الذي يقفل ويفتح، وكان كرسيا قديما فتحته وأخذت أجلس عليه مستندا بيدي على خشبتيه الجانبيتين، فانفلتت خشبته الخلفية ووقعت إصبعي الخنصر من اليد اليمني بين الخشبتين فانقطع طرفها العلوي وتدلت لحمته وسال دمه، وذهبت إلى طبيب الباخرة فأعاد اللحمة المدلاة إلى مكانها وربطها ربطا محكما. واستثارت الحادثة عطف كل من كان في الباخرة. ولما حضرت إلى مصر ذهبت إلى الجراح فأمر بالكشف بالأشعة على عظمة الإصبع فوجدت والحمد لله سليمة، ولم يلتئم الجرح إلا بعد علاج طويل وقد ترك أثرا في إصبعي بينا.
كتب على السفينة (الروضة) في 16 يوليو سنة 1928.
| الفصل السادس والعشرون
وانتهزنا فرصة إجازة نصف السنة، فدبرنا رحلة إلى الشام في خمسة عشر يوما والزمن شتاء والبرد قارس، فخرجنا من مصر في ديسمبر سنة 1930 في رهط من الطلبة والأساتذة، وعهدت إلي الكلية الإشراف على الرحلة، فها نحن نرحل من القاهرة إلى القنطرة ونعبر القنال، ونخترق صحراء سيناء بالقطار ونمر على غزة ثم بعض المستعمرات الصهيونية؛ ونستمع إلى بعض الأحاديث عن منشآتهم في مستعمراتهم، فنشعر الخوف من المستقبل، حتى نصل إلى محطة «اللد» فنستقل قطارا آخر إلى بيت المقدس، وبين اللد والمقدس نستمتع بالمناظر الطبيعية من جبال ووديان نشأت - ولابد - من ثورات أرضية عنيفة فعلت أفاعيلها القاسية فرفعت بعضها إلى أعلى وسميناه جبلا، وخفضت جزءا آخر وسميناه وهدة أو واديا، وهي مناظر تملأ القلب روعة وهيبة، حتى نصل إلى المقدس فيستقبلنا بعض علمائه وأدبائه، وعلى رأسهم المرحوم إسعاف بك النشاشيبي، ويبالغ في إكرامنا، ونلتقي بالأستاذ السيد الحسيني مفتي فلسطين فيوحي إلي منظره بقوة إرادة وتصميم وعزم ونفس لا تهدأ حتى تتسلط. وأنتهز الفرصة فأجتمع برؤساء بعض الأحزاب في فلسطين، فأستمع إلى أحاديثهم وأعرف كيف يتنازعون على المصالح الشخصية لا على المبادئ العامة، فأرثي لحالهم وأتوقع من ذلك الشر لبلادهم - ونزور بيت لحم، ونرى كيف تتنازع الطوائف المسيحية المختلفة على الأمكنة وكيف يتقاسمونها شبرا فشبرا، فأعجب بسماحة الإسلام وعده الأرض كلها مصلى، والأرض كلها لله، ونذهب إلى قرية الخليل ونزور مسجده ونعجب ببنائه الضخم ونرى فيه مظهرا من مظاهر البناء الروماني وطابعا من طوابعه.
ونزور المسجد الأقصى فنعجب بفنائه، وننتقل إلى الصخرة ونقف تحت القبة العظيمة، وننظر إلى الأبنية الجليلة التي بناها صلاح الدين.
ونرحل بعد ذلك إلى البحر الميت، ويقص علينا الدليل ما يحوي هذا البحر من ذخائر كيماوية سيستغلها العلم الحديث، وينتفع بها مستخرجوها، ونعود هنا أيضا فنستشعر الخوف من الصهيونية المقبلة. ونسير إلى أريحا، ونهر الشريعة، ونرى الجسر الذي يفصل بين فلسطين وشرق الأردن، ثم نمر على نابلس ونصل بعدها إلى الناصرة بلد المسيح عليه السلام. ثم نصل إلى طبريا ونشعر بالدفء الذي يطرد ما حزناه من برد، ونعجب بما حولها من جبال عالية تتفجر منها مياه حارة أنشئت حولها حمامات. ثم نسير بعدها إلى دمشق، ونحن متطلعون إلى رؤيتها، نحمل ذكريات من أحداثها من عهد أن كانت مركز الخلافة الإسلامية في عهد معاوية والخلفاء الأمويين من بعده، ونتجول في أنحائها ونزور مصانعها ومساجدها ونخرج إلى ضواحيها ننعم بجمالها؛ ولكن كانت دمشق وسورية كلها إذ ذاك في حوزة الفرنسيين، وهم يخشون من طلبة الجامعة وأساتذتها لأنهم يعتقدون أنها بؤرة أفكار وطنية ثورية، فخشوا أن نلتقي بأمثالنا من الناقمين على الاستعمار، فأحاطونا بسياج لطيف الملمس في شكل إكرام، فكنا كلما سرنا احتاط بنا موظفو الحكومة يستقبلوننا ويطلعوننا على ما أحبوا لا على ما نحب، وهذا ظن ظننته، دل عليه ما رأيته.