تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ونزور المسجد الأموي بدمشق فنسحر بعظمته وجلاله، وسعته وجماله. وضريح شيخ الصوفية محيي الدين بن عربي، وقبر صلاح الدين الأيوبي وأستاذه نور الدين محمود زنكي، ونقضي سهرة لطيفة في نادي الموسيقى بدمشق.

ثم نركب القطار إلى حلب، ونزورها ويستقبلنا رجال المعارف أيضا فنتجول معهم في المدينة، وقد أعجبتنا نظافتها وجد أهلها، ونرى استحواذ الأرمن على أهم الصناعة فيها، ونزور الجامع الأموي فيها أيضا كما نزور قلعتها العظيمة وتثور في نفوسنا ذكريات سيف الدولة في حلب ومجلسه الأدبي الفخم يصول فيه المتنبي ويجول.

ثم نقصد إلى زيارة أبي العلاء المعري في معرة النعمان، فنرى بناء متواضعا يحتوي على فناء صغير وحجرتين، وفي إحدى الحجرتين قبر كتب عليه: أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري. فنقف على قبره طويلا نذكر لزومياته وسقط زنده، وزهده واحتقاره للدنيا ونعيمها، وجرأته التي ليس لها مثيل في نقده اللاذع للتقاليد والأوضاع.

ونمر بحماه ونخترقها ونسر بنواعيرها، ونصل إلى بيروت فنزور (كلية المقاصد) الإسلامية والجامعة الأمريكية ومدرسة الآباء اليسوعيين، ونعود على الباخرة إلى الإسكندرية.

كل هذا في خمسة عشر يوما حتى لكأننا نرى هذه الأماكن من طيارة، أو نستعرض فيلما سينمائيا سريعا.

لقد استفدت من هذه الرحلة رؤية هذه البلاد وأهلها، وعرفت طرفا من حياتها الاجتماعية ومشاكلها السياسية ومناظرها الطبيعية، ولكن عكر صفوها أني لم أستطع أثناءها الانفراد بنفسي، وأنا أكره اليوم الذي لا تتاح لي فيه فرصة الوحدة والعزلة، أحلم فيها وأتأمل.

والرحلة في نظري لا تكون لها قيمة حقة إلا إذا تفتح القلب لما يرى، وجال الخيال في ذلك جولته، ومزج الإنسان ما يرى بنفسه. ولم أتمكن في هذه الرحلة من ذلك كله، فاعتزمت في هذا المأزق أن أجتر كما يجتر الجمل ويخزن سريعا ما يأكل، ثم يمضغه ويهضمه بعد ذلك على مهل. وكان مما أتعبني في هذه الرحلة كثرة ما أدعى إلى الأكل وكثرة ما يلقي من الخطب على الموائد، فلا يزال الشرقيون يتصورون الكرم أكلا وخطابة، وكلما كثر الأكل وكثرت الخطابة كان عنوان الكرم. وإني لأرجو أن يتحول هذا الكرم في المستقبل إلى اقتصاد في الموائد وتوسع في الإفادة بالمعاني؛ وبخاصة مع رجال العلم. وزاد العبء على أنني كنت الخطيب الوحيد غالبا، فكلما دعينا إلى مأدبة خطب صاحبها وطولبت بالرد عليه؛ لهذا ملئت هذه الرحلة بالرسميات، والرسميات عدو الرحلات ومضيعة لبهجتها؛ ومع هذا فالأديب والفيلسوف من طبيعتهما أن يختزنا في أنفسهما كل ما يقع تحت حسهما في وعي أو من غير وعي. ولا يدري أحدهما متى ينتفع بهذا وكيف ينتفع، ولكنه سينتفع حتما على كل حال.

ولا بأس هنا أن أذكر رحلة أخرى رحلتها إلى بيت المقدس كانت عجيبة حقا مربكة حقا ذلك أني تلقيت يوما خطابا من جمعية الشبان المسيحية في القدس، تطلب مني محاضرتين في أي موضوع أختاره، وحددت لي موعدا بعد شهر تقريبا، فقبلت الدعوة واخترت موضوعا هو: «ما الذي يعوق المسلمين اليوم عن المشاركة في بناء المدنية الحديثة؟» وعكفت على كتابة المحاضرتين حتى تممتهما وتهيأت للسفر، وإذا بتلغرافات، ترد إلي من جمعيات الشباب المسلمين في القدس ويافا وحيفا وغيرها تحذرني من الحضور من غير أن تذكر سببا، فلم أعبأ بذلك، وسافرت، فلما وصلت إلى القدس لم أجد من يستقبلني إلا مندوبا من جمعية الشبان المسيحية وأستاذا في القدس كان طالبا في كلية الآداب

1

فدعاني مندوب الجمعية إلى النزول في بنائها فاعتذرت، ودعاني الأستاذ تلميذي أن أنزل في بيته إذ كان يسكن بمفرده فقبلت، وقد أسر إلي صاحبي بأن الأستاذ المفتي وإسعاف بك النشاشيبي والأستاذ الثعالبي يعتذرون إذ لم يقابلوني ويطلبون إلي أن أقابلهم، فقابلت الأستاذ إسعاف فشرح لي الموقف وقال: إن مركز جمعية الشبان المسيحية متهم الآن بأنه مركز تبشير للمسيحية ومركز تبشير للاستعمار الإنجليزي، وقد ثبتت عليه بعض الأحداث فقاطعه المسلمون من أجل ذلك، وقد أرادت الجمعية أن تكسر هذه القطيعة وتبطل الإضراب بدعوتك لإلقاء هذه المحاضرات. فقلت: كان عليكم أن تخبروني بهذه التفاصيل من قبل حين أعلنت الجرائد عن سفري ولنتدبر الآن في الحل. فطلب أحدهم إلغاء المحاضرات فأبيت، وطلب آخر أن ألقي المحاضرات نفسها في جمعية إسلامية، فقلت إن هذه المحاضرات قد أصبحت ملكا للداعي إليها. وأخيرا اتفقنا أن ألقى محاضرة في موضوع آخر في جمعية إسلامية قبل إلقاء هاتين المحاضرتين، وأعددت العدة لإلقاء محاضرة في نادي مدرسة روضة المعارف. وكان عنوانها تفسير آية

حياتي · الصفحة ٧١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٧١