تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومما دعاه إلى ذلك أنه كان يسكن في إستامبول، فوق جماعة من الإفرنج، يخشى إن هو تسحر في رمضان أن يزعجهم بحركاته، فهو يصوم هذا الصيام الذي ذكرنا من غير سحور.

أهداني يوم وداعه مجلة إنجليزية كان يصدرها عنايت خان في سويسرة في التصوف، يدعو فيها إلى التصوف العام من غير تقيد بتفاصيل دين خاص، ولذلك كان من أعضائها المسلم واليهودي والنصراني.

وقد أخبرني علي بك فوزي أنه عرض عليه بعد وفاة عنايت خان أن يرأس هذه الجمعية فأبي، لأنه لا يحب أن يتقيد بالتقاليد والشعائر على أي شكل كانت.

منشأ عذاب هذا الرجل وشقائه، رقة إحساسه ودقة شعوره إلى حد بالغ.

السبت 14 يوليو

ذهبنا عصرا إلى «يلدز» قصر السلطان عبد الحميد، وقد كان كعبة القاصدين وملعب السياسيين ومخبأ الدساسين، تصدر عنه القرارات الهامة التي تحرك العالم الإسلامي وترسم خططه وتقرر مصيره. يلتقي فيه دهاة الغرب بدهاة الشرق، بالدجالين والمخرفين، بالمصلحين والمفسدين، وتسرح فيه الغانيات الجميلات والمماليك السود والبيض.

سراي كبيرة على البسفور، أقيم عليها من جانب البحر سور ويلي السور شارع وعلى جانبي الشارع أقيمت أمكنة للحرس، ثم السراي.

كان دليلنا عبد الله أفندي رجلا سودانيا طويل القادمة، خدم في السراي أربعين سنة، وهو يترحم على الأيام الماضية، أيام العز والمجد، ويأسف لضياعها وضياع الإسلام، سراي فخمة، وحدائق لا يرى الطرف منتهاها؛ وتمشي من أولها صاعدا نحو ثلث ساعة حتى تصل إلى باب البناء، هذا بناء أعد للضيفان والزائرين، رأينا منه حجرة كانت معدة لأكل الضيوف في عهد السلطان، وهي حجرة بديعة في حليتها وجمال صنعتها، قد عريت من أثاثها فلم يبق فيها إلا مرآة كبيرة، وأشار عبد الله أفندي إلى حجرة أخرى أكبر منها تسع أضعاف ما تسعه الأولى ولكنها مغلقة، وأخبرنا أن كل أثاث السراي قد نقل، وأن بناء الحريم الذي كان يسكنه السلطان قد احترق أيام الحرب.

ورأينا فسقية كبيرة في الحديقة قال لنا عبد الله أفندي؛ إنه منذ أيام قليلة زارنا الخديو عباس، ووقف عند هذه الفسقية، وحكى لنا أنه حين ولي على مصر حضر إلى الآستانة وجلس مع السلطان عبد الحميد بجوار هذه الفسقية هو وأمير بلغاريا، وإذ ذاك أنعم عليهما السلطان، ثم ترحم على تلك الأيام، وظهر على وجهه الحزن والأسف، وهكذا الدنيا وهم خادع وظل زائل.

الاثنين 16 يوليه

قررنا السفر والعودة إلى مصر، فأخذنا السيارة إلى الجمرك ومنه ركبنا السفينة واسمها «الروضة» فكانت مدة إقامتنا بالآستانة نحو أربعين يوما.

فلأنظر نظرة عامة في الرحلة، أنفقنا نفقات كثيرة في الأيام الأولى، لأننا كنا نجهل كيف نعيش، وكان يصحبنا دليل سوري أثقلنا بأحاديثه وتكاليفه فاستغنينا عنه.

كان جو الآستانة في الأربعين يوما جميلا، فلم نشعر فيه بحر القاهرة، بل كنا أحيانا نشعر بالبرودة، ولكن حدثنا بعضهم أن الحر في هذه السنة كان خفيفا أقل من المعتاد، وفي بعض السنين يكون شديدا لا يطاق في بعض الأيام.

وقد أفادتني هذه الرحلة اتساعا في أفقي، فأصبحت أنظر إلى مصر وحوادثها وشئونها من عل وكأني في طيارة، وغلبتني وأنا في الآستانة العاطفة الدينية، لا من ناحية كثرة الصلاة ونحوها، ولكن من ناحية الشعور القلبي.

أحسست عند مقارنتي لرفقائي في السفر أنني أكثرهم تحفظا وأقلهم مرحا وأشدهم حنينا إلى أهلي ووطني، واعتزمت أن أنصف أهلي وولدي عند عودتي فأكون معهم ألطف وأعطف وأرق وأحسن معاملة وأكثر مرحا.

فكرت أن أبحث عند عودتي مشروعا مفيدا وهو إنشاء مطبعة أنشر فيها خير الكتب القيمة التي عثرت عليها في الآستانة فيكون عملا مربحا ماديا وأدبيا.

قلت في نفسي: إن الأربعين يوما التي قضيتها في الآستانة موضوع لرواية جيدة بل روايات، ففيها المناظر وفيها الأشخاص، وفيها الأحداث ولا ينقصها شيء إلا المرأة والتحرير الروائي.

حياتي · الصفحة ٦٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٦٩