تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهكذا لقيت العناء في الزواج، فكلما دلني صديق على فتاة فإما أن أجد مانعا منها وإما أن تجد مانعا مني، فمن أرضاه لا يرضاني ومن يرضاني لا أرضاه. وأخيرا دلني مدرس معي في مدرسة القضاء على بيت رضيني ورضيته، فأرسلت أمي وأختي وزوجة الأستاذ لرؤية الفتاة فرأينها ووافقن عليها، وجعلت أسأل أمي وأختي أسئلة عن شكلها وملامح وجهها وطولها وعرضها وفراستها في أخلاقها ونحو ذلك، وأستمع لإجابات لا تصور شكلا ولا توضح حقيقة وأجلس إلى نفسي وأعمل خيالي فيما سمعت، فأصوغ من ذلك شكلا. وقد أجلس معهما مرة أخرى أسمع منهما حديثا آخر ووصفا آخر، فأتخيل من ذلك صورة أخرى وهكذا، وأخيرا سلمت الأمر لله وتركت التصوير حتى ترى العين ما رسم الخيال، وتم عقد الزواج يوم 3 إبريل سنة 1916، وقد أخذت يوم العقد مائة جنيه إنجليزي ذهبا في علبة جميلة قدمتها مهرا للزوجة، وانتظرت نحو أربعة أشهر حتى يتم أهل الزوجة الجهاز.

وكانت هذه الأشهر الأربعة مجال تفكير في السعادة المرجوة والأحلام اللذيذة، وبناء القصور على الآراء الفلسفية أو النظريات المدونة في الكتب، فأنا أزور المكتبة الإنجليزية وأبحث عما كتب في الزواج، فأعثر - مثلا - على سلسلة من الكتب أحدها فيما ينبغي للزوج أن يعلم، وثانيها فيما ينبغي للزوجة أن تعلم وهكذا. ثم أجد كتابا في الزواج السعيد وآخر في الأسرة، وثالثا في تربية الطفل فأقرؤها وأفكر فيها وأستخلص منها ما يجب أن أعمل لأسعد وعلى أي الأسس أبني أسرتي وهكذا.

وقد ذهبت بعيد الزواج إلى مصور صورني صورة تذكارية احتفظت بها، ووجدتني قد كتبت على ظهرها العبارات الآتية: «هذه صورتي أخذت يوم الجمعة 7 إبريل سنة 1916 وسني تسع وعشرون سنة وستة أشهر، عقب عقد زواجي بأربعة أيام، وقد اتخذت الكتب شعارا لي في الصورة، فوضع المصور أمامي كتبا من عنده وأمسكت بيدي اليسرى كتاب «مبادئ الفلسفة» وكنت قد عربت أكثره وأوشك على الانتهاء. وقد لاحظت أن أصور صورة في غاية البساطة فلم أتعلم شيئا إلا اختيار الثوب الذي اخترته يوم عقد الزواج، وربما كان الباعث لي على هذا التصوير ما أشعر به من أني قادم على حياة جديدة ومرحلة جديدة، فقد أنهيت حياة الوحدة وسأقدم على حياة الأسرة، وأنا مقتنع أن هذه البيئة الجديدة سيكون لها أثر كبير في نفسي وجسمي وعقلي، وسأقارن بين المعيشتين وأثرهما إذا كان في الأجل متسع - ومن البواعث على هذا التصوير أيضا علمي أن السنة المتممة للثلاثين تختم حياة الصبا والفتوة وتفتح حياة يغلب عليها العقل والروية، على أني - والأسف يملأ فؤادي - لم أنتفع بزمن الصبا والفتوة كم كان يجب. فلم يجد المرح والنشاط واللهو - ولو كان بريئا - ولا الحب إلى قلبي منفذا، بل تشايخت منذ الصبا - وهذا ولا شك أثر التربية المنزلية، فقد كانت تربية أساسها التخويف والإرهاب، ولم يكن في بيتي أي مظهر من مظاهر البهجة والسرور، وإني في هذه السنة أحس شيئا من النشاط على أثر دروسي الإنجليزية مع مدرسة إنجليزية كانت تصلح من نفسي كما تصلح من لساني، وكانت تنتقد في الهدوء والسكينة، كما كان لدروس الأخلاق مع عاطف أثر كبير في نفسي؛ ومما أحسه أيضا أنني أكثر حرية في الفكر وأكثر نقدا لما يعرض لي؛ وأكثر ميلي هذه السنة إلى القراءة في عملي الأخلاق والاجتماع مع ما أجد من الصعوبة في فهم ما أقرأ، لقرب عهدي بتعلم الإنجليزية، فقد بدأت تعلمها في يناير سنة 1914 فلي الآن نحو سنتين ونصف سنة وهي مدة لم تكف في التبحر فيها.

وأنا الآن مدرس بمدرسة القضاء ومرتبي 1320 قرشا في الشهر ولم أمل التدريس ومازلت أفضله على القضاء - وأنا أرجو من الله أن يعينني على القيام بعمل عظيم أخدم به أمتي من الناحية الخلقية والاجتماعية». (كتب في 20 يوليو (تموز) سنة 1916).

حياتي · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٥١