تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان من أعجب من عرفت في هذه الجمعية شاب تثقف ثقافة قانونية امتاز بالشجاعة الأدبية والصراحة، فكان لا يقول إلا ما يعتقد، ولا يعمل إلا وفق ما يعتقد، على حين أن كثيرا من الشبان يرون الرأي ثم لا يقولونه، وإذا قالوه لا يعملون على وفقه، كالذي سمعت أن جماعة كانوا يجتمعون في منظرة في بيت وكانوا يتجادلون في سفور المرأة وحجابها، وكان صاحب البيت أكثرهم تحمسا للسفور ودفاعا عنه وتأييدا له، فبينما هم في المناظرة إذا بصوت سيدة عجوز هي جدة صاحب البيت يصل إلى آذان المتناظرين في المناظرة فيخجل صاحب البيت ويصعد إلى جدته يؤنبها على علو صوتها وقد نسي محاضرته في السفور.

أما صاحبنا هذا فكان شجاعا جريئا في كل ما يقول ويعمل، تزوج فتاة مصرية، وإذ كان يعتقد السفور حملها على السفور فأطاعته، في وقت عز فيه السفور، وعلا الصوت في نقده ومقته، فكان يخرج بها في المجتمعات ويزور معها الأصدقاء، ويجلس هو وهي في مقهى ولا يعبأ بنقد الناقدين ولا عيب العائبين، وكان وكيل نيابة في أسيوط وأسيوط بلد محافظ، فعابوا عليه تصرفه وشكوه للحقانية فلفتت نظره فصمم على عمله فنقل إلى الإسكندرية ولم يتحول عن طريقته. وأخيرا رماه الزمان الذي لا يرحم بداء السل وألح عليه المرض فألزمه السرير، وتفرق عنه أهله وأقرباؤه، فعكف وهو على سرير الموت يكتب كتابا عنوانه «كلمتي إلى أمتي» ثم لفظ النفس الأخير.

1

كنا نجلس يوما مع نخبة من هذه الجماعة وكان أحدها يصدر جريدة اسمها «السفور»

2

يدافع فيها عن رأي قاسم أمين ويدعو إليه، فدعانا أن نأخذ الجريدة ونساهم معه في إخراجها ونتولى تحريرها فقبلنا هذا العرض، وتألفت لجنة من الجمعيتين

3

جمعيتي الأولي المثقفة ثقافة إنجليزية وجمعيتي الثانية المثقفة ثقافة فرنسية، وتسلمنا الجريدة نحررها، وكانت جريدة أسبوعية، فكنا نجتمع يومين أو ثلاثة في الأسبوع نقرأ بريد الجريدة ونقرأ فيها ما حرره كل منا من مقالة وننقد ما نسمع ونجيز أو لا نجيز ما ينشر، وجهدت أن أكتب مقالة كل أسبوع، فكان ذلك أول عهدي بالصحافة وبالكتابة، وكان ذلك أيضا على ما أذكر سنة 1918.

وفي هذا العهد كثر الحديث في مجالسنا عن الزواج والأزواج والزوجات وسعادة الزوجية وشقائها وضرورتها أو الاستغناء عنها والزواج بالأجنبيات والمصريات، ورويت الأحاديث المختلفة عن فلان المتزوج الذي سعد في زواجه وفلان المتزوج الذي شقي بزواجه، وفلان الذي أضرب عن الزواج واستمتع بالحياة في أولها وشقي في آخرها وهكذا، وجال الموضوع في ذهني في قوة ووجدتني قد بلغت التاسعة والعشرين، فصممت أن أبت في الموضوع هل أتزوج أو لا أتزوج، وأخيرا وبعد تردد طويل قررت أن أتزوج، ولكن نشأت العقدة الثانية: من أتزوج؟ وكان السفور في هذا الزمن في أول أمره لم يجرؤ عليه إلا عدد محدود من المثقفات، فكان الزواج غالبا يخضع للتقاليد القديمة؛ يسمع الشاب من صديقه أو أحد أقاربه أن لفلان بنتا في سن الزواج، وقد يبلغه هذا الخبر من محترفة لهذه الوظيفة وهي التي تسمى «الخاطبة» وهي امرأة تزور البيوت وتتعرف أخبارها وترى من فيها من الشابات في سن الزواج أو من الشباب الذين يريدون الزواج، وتكون واسطة بين أهل الزوج وأهل الزوجة في تعريف هؤلاء بأولئك، فيتقدم أحد أقارب الشاب إلى أبي الشابة أو ولي أمرها يعرض عليه الرغبة فإذا قبل أرسل الشاب أمه وبعض قريباته من النساء لرؤية الفتاة، فإذا وصفوها وصفا اقتنع به تقدم للزواج من غير أن ينظرها ويعرف شكلها وطباعها وأخلاقها. وإنما يعرف ذلك كله بعد عقد العقد وبعد الزفاف.

وهكذا كان الزواج في عهدي في مثل طبقتي، وكنت شابا لا بأس بشكله ولا بأس بأسرته، فأنا وبيتي نعد من الأوساط وأنا أحمل شهادة عالية، ومرتبي نحو ثلاثة عشر جنيها وهو مرتب لا يستهان به في ذلك العصر، وكنت أتلمس الزواج في أمثالي من الأوساط. لا أطلب الغنى ولا أطلب الجاه، ومع ذلك كله وقفت العمامة حجر عثرة في الطريق، فكم تقدمت إلى بيوت رضوا عن شبابي ورضوا عن شهادتي ورضوا عن مرتبي، ولكن لم يرضوا عن عمامتي، فذو العمامة في نظرهم رجل متدين، والتدين في نظرهم يوحي بالتزمت وقلة التمدن والالتصاق بالرجعية والحرص على المال ونحو ذلك من معان منفرة، والفتاة يسرها الشاب المتمدن اللبق المساير للدنيا اللاهي الضاحك، فكم قيل لي أن ليس عندهم مكان لعمامة. ورضي بي قوم أولا وأحبوا أن يروني، فأحببت أن أريهم أني متمدن، وذهبت إليهم أحمل كتابا إنجليزيا، وجلست إليهم وجلسوا إلي وتحدثت عصريا على آخر طراز وحشرت في كلامي بعض كلمات إنجليزية فاستغربوا لذلك. وفهمت أنهم أعجبوا بي ورضوا عني، ولكن بلغني أن الفتاة أطلت على من الشباك وأنا خارج فرأت العمامة والجبة والقفطان فرعبت ورفضت رفضا باتا أن تتزوجني رغم إلحاح أهلها. وشاء القدر أن تتزوج هذه الفتاة - فيما بلغني شابا أنيقا كاتبا في وزارة ولكنه سكير معربد أذاقها المرار في حياتها الزوجية ثم طلقها، ومازال سوء حالها حتى تزوجت بعامل في التلغراف وجاءت إلي وأنا قاض في محكمة الأزبكية تطلب من زوجها النفقة.

حياتي · الصفحة ٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٥٠