وليس لي تعليق على ما كتبته خلف الصورة إلا على قولي «إن الحب لم يجد إلى قلبي منفذا» فهو تعبير غير دقيق وقوي لا يصدق إلا على رجل جامد العواطف، بل كانت عواطفي أقرب إلى أن تكون حادة ولاسيما في أيام الشباب الأولى ظهرت حدتها في العاطفة الدينية فقد كانت مشبوبة حادة، وفي حبي لأصدقائي فقد كنت آنس بقربهم وآلم لبعدهم، وفي عاطفة الرحمة والشفقة على الفقراء والبائسين ونحو ذلك من مظهر للعواطف، بل لقد تحركت في عاطفة الحب منذ الصبا، فقد أحببت وأنا في نحو الخامسة عشرة ابنة جار لنا والتهبت عاطفتي فأرقت كثيرا وبكيت طويلا، وكل ما كان من وصال أن أجلس أنا وهي على كرسيين أمام دارها نتحدث في غير الغرام، فلما وسوس الشيطان لأبيها حجبها عني وشقيت زمنا بذلك ثم سلوت، ثم أحببت المدرسة الإنجليزية الشابة حبا ضنيت به ولم تشعر به، وكل ما سعدت به ساعات الدرس أتحدث إليها وتتحدث إلي وتنظر إلي بعينيها الصافيتين الأمينتين، ولكنه كان حبا يائسا، فهي متزوجة مخلصة لزوجها سعيدة بزواجها، فعاطفة الحب كانت في أعماق نفسي ولكنها مكبوتة، حال دون ظهورها وسطي، فالفتاة لم تكن سافرة سفور اليوم، وكان الشاب لا يعرف من الفتيات إلا أقاربه، وكانت تربيتي الدينية تعد الحب فجورا والنظر إلى الفتاة وحديثها إغواء شيطانيا، ومدرستي كبيتي متزمتة متعنتة، لا ترتاح لأن يجلس طالب في قهوة، وتعاقب من وجد في صالة غناء. وحدث مرة أن شوهد متخرج حديثا من المدرسة يجلس في مقهى الأزبكية مع صاحبيه من غير المدرسة وأمامهم كاسات من البيرة، فكان من سوء الحظ أن مر عليهم عاطف بك ورأى هذا المنظر، ومع أنه لم يتحقق من شرب هذا الشاب البيرة فقد حرمه من تولي القضاء سنين، ورفض كل رجاء في العفو عنه، ولم يعين بعد إلا بضغط عليه شديد أو رغما عنه.
كل هذا لم يهبني مجالا للحب، بل كبته في أعماق نفسي إلى أن تزوجت.
وبعد العذاب في اختيار الزوجة وعقد العقد وإعداد الجهاز اخترت بيتا أسكن فيه وحدي مع زوجي قريبا من بيت أهلي، وحرصت على ذلك حتى أتجنب الأقوال الشائعة والحكايات التي لا تنتهي في النزاع بين الزوجة والأم، وكذلك تمت هذه المرحلة.
| الفصل الحادي والعشرون
تزوجت وكان كل اعتمادي في الزواج - كما ذكرت - على الخيال لا على الواقع. الخيال هو الذي رسم صورة زوجتي وأخلاقها وصفاتها معتمدا في رسمه على أحاديث النساء اللاتي شاهدنها، والخيال هو الذي رسم صورة لحياتي المستقبلية اعتمادا على ما سمعته من أحاديث عمن سعدوا في زواجهم ومن شقوا، وأسباب سعادتهم وأسباب شقائهم، واعتمادا على ما قرأته في الكتب الإنجليزية عن الحياة الزوجية.
ولكن شتان بين الواقع والخيال؛ فالخيال يرسم الصورة وهو حر طليق محلق في السماء، والواقع يلتصق بالأرض ويتقيد بالظروف والبيئة والمكان والزمان وغير ذلك. وقد أذكرني الفرق بين الواقع والخيال بحادث حدث لصديق لي سافرت معه إلى الإسكندرية لنستجم من متاعبنا، وكنت أعرف العوم ولم يكن يعرفه، فغاظه ذلك وصمم على أن يتعلم العوم، وصادف أن مر أمام مكتبة إنجليزية فرأى في ظاهرها كتابا في العوم فاشتراه - وكان قويا في اللغة الإنجليزية فسهر عليه ليلة حتى أتمه قراءة وفهما وعرف منه تمام المعرفة نظرية العوم وكيفيته وطرقه، وأيقن أنه بذلك يستطيع أن يغالب أكبر عوام، وحدثني بذلك في الصباح فضحكت من حديثه، فلما ذهبنا إلى حمام البحر تبخرت كل نظرياته وعلمه، ووضع «قرعتين» على ظهره، وأمسك بالحبل الممدود، وطمأن رجليه على الرمل، ولكن سرعان ما اصفر وجهه واضطرب جسمه وخاف أن يفارق الحبل ليسبح وفقا لنظريات الكتاب.
قابلت زوجي فكنت كمن يفض «حلاوة البخت» أو كمشتري ورقة «اليانصيب» حين يقرأ جدول النمر الرابحة، وحمدت الله على ما وهب، وبقي لي أن أعرف صفاتها التي تظهر يوما فيوما كلما حدثت مناسبة أو جد جديد.