تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فزادني ذلك ارتباكا واضطرابا بالنهار وأرقا بالليل، وأخيرا ذهبت بعريضة الدعوة إلى عاطف بك وشرحت له القصة فضحك منها ومني وأخذني معه إلى وكيل وزارة الحقانية فتحي باشا زغلول فبذل في ذلك مجهودا حتى انتهى الأمر؛ فويل للناس من النساء إذا انتقمن.

وأما المكتبة الإنجليزية فمكتبة مرتبة منظمة صاحبها كنا نسميه الأستاذ فرج ليس فيها موضع لجلوس ولا قهوة ولا تدخين، ولا حديث لصاحبها إلا كتاب يباع وثمن يدفع، قد صف فيها الكتب صفا فنيا؛ فهذا مكان القصص، وهذا مكان لكتب الاجتماع، وهذا مكان لعلم النفس وهكذا. وإذا سألت صاحبها عن كتاب اتجه يمينا أو يسارا ونظر نظرة فاحصة في ثانية ومد يده فاخرج الكتاب أو قال لك ليس عندي، قد عشقت هذه المكتبة أول عهدي بالإنجليزية، وتلذذت من زيارتها - ولكل جديد لذة - أزورها فأقضي فيها وقتا طويلا أتصفح فيها الكتب وأشتري منها ما يروقني، وقد كونت منها نواة لمكتبتي الإنجليزية، وأكثر ما اشتريت منها كتب في علم الأخلاق لأستعين بها على تحضير دروسي؛ وكتب في علم الاجتماع، إذ شوقني إليها قراءتي مع «مس بور» جمهورية أفلاطون، وكتب في مبادئ الفلسفة، إذ كانت الأخلاق والاجتماع فرعين من فروع الفلسفة، وكتب في المنطق لأني أردت أن أعرف كيف يكتب الإفرنجي في المنطق بعد أن عرفت كيف يكتب العرب، وكتب في الإسلاميات مما كتبه المستشرقون لأن هذا موضوعي.

على كل حال بدأت أحضر دروسي من الكتب العربية والإنجليزية معا، فأعددت محاضرات عامة في تاريخ علم الأخلاق عند اليونان والرومان والعرب وفي العصور الحديثة استقيت أكثر موادها من الكتب الإنجليزية. وشغفت أياما بنظرية النشوء والارتقاء لدارون، فقرأت فيها كتب شبلي شميل بالعربية، وبعض الكتب الإنجليزية التي تعرض للموضوع عرضا مبسطا. وأعددت محاضرتين فيهما ألقيتهما على طلبة مدرسة القضاء وبعض أساتذتها وبحضور ناظرها وكانت إحدى المحاضرتين في معنى مذهب النشوء وما يرمي إليه، والثانية في تطبيق نظرية النشوء على الأخلاق، كما اتجه إلى ذلك سبنسر وغيره، وأحدثت هاتان المحاضرتان دويا: كيف يلقى مثل هذا الموضوع على طلبة القضاء الشرعي؟ وكان من نتيجته أن أرسل شيخ الجامع الأزهر

2

إلى ناظر المدرسة يسأله. كيف أباح لمدرس في المدرسة أن يلقي محاضرات في مذهب الزنديق دارون! فأهمل الناظر السؤال ولم يرد عليه.

ويوما لقيت في هذه المكتبة الإنجليزية كتيبا صغيرا عنوانه «مبادئ الفلسفة» تأليف رابوبورت، قرأته فأعجبني لسهولته وبساطته وشموله، كتبه مؤلفه لطلبة المدارس الثانوية يعرفون به معنى الفلسفة وموضوعها، فشغفت بترجمته وكنت أقف في جمل كثيرة منه رجعت فيها إلى صديق

3

لي أستوضحه ما غمض حتى أنهيت ترجمته، وبذلت فيه جهدا كبيرا إذ كان أول عهدي بالترجمة، ثم طبعته ونشرته، فكان هذا أول نتاج لي وكان ذلك سنة 1918، وقوبل الكتاب بما شجعني أن أعيد النظر في مذكراتي التي أعددتها للطلبة في علم الأخلاق، وأزيد عليها وأحولها إلى كتاب سميته كتاب الأخلاق، وطبعته بعد مبادئ الفلسفة بقليل.

| الفصل العشرون

وكان لي بجانب هذه المدرسة من الأصدقاء - ذوي الثقافة الإنجليزية - جمعية من أصدقاء آخرين ذوي ثقافة فرنسية غالبا، عميدها صديقي المرحوم الشيخ مصطفى عبد الرازق الذي كان شيخا للأزهر فيما بعد، ومن بينهم الدكتور منصور فهمي والمرحوم الأستاذ عزيز مرهم والأستاذ محمد كامل البنداري، والدكتور محمود عزمي وغيرهم وكان مكانها في بيته، وكان أكثر أعضائها من خريجي الجامعات الفرنسية ومما ألف بينهم إقامتهم في فرنسا وتعلمهم بها؛ وإذا كان يكثر في الجامعات الأولى ذكر شكسبير وديكنز وماكولي وبرناردشو وه. ج ولز، فقد كان يكثر في هذه الجمعية ذكر جان جاك روسو وفولتير وراسين وموليير ودركهايهم، وإذا كانت الجمعية الأولى تغلب عليها المحافظة والاعتدال فهذه يغلب عليها التحرر والثورة على القديم - كنا نجلس في هذه الجمعية، وقد يحضر فيها أحيانا بعض السيدات الفرنسيات زوجات بعض المصريين، وبعض العلماء من الأزهر، ويتشقق الموضوع ويثار الجدل، ويكون الحديث مزاجا بين حرية فرنسية واعتدال إنجليزي ومحافظة أزهرية، نتحدث في السياسة وحرية المرأة، وفي المقارنة بين فرنسا ومصر.

حياتي · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

حياتيص ٤٩