| الفصل التاسع عشر
وبدأت أستغل ما تعلمته من الإنجليزية، فصارت لي مكتبتان أشتري منهما الكتب، مكتبة عربية بالسكة الجديدة، بحي الأزهر، ومكتبة إنجليزية بشارع المغربي في الحي الإفرنجي، فأما المكتبة العربية فصاحبها
1
رجل غريب الأطوار من أصل أناضولي، كان ربيب نعمة، تربى في المدارس الفرنسية وهو يجيدها قراءة وكتابة، وتفلسف في الحياة فلسفة تشاؤمية على أثر صدمة صدمها، فقد تاجر في القطن ودخل البورصة وكسب حتى صارت النقود في يده كالتراب، ثم خسر فلم يبق في يده إلا التراب وفتح دكان بقالة فلم ينجح، ثم صار كتبيا لا يعبأ بالمال ولا بالحياة، ولا بالناس: دكانه كأنه منظرة في بيت أو قهوة في شارع، يأتي إليه هواة الكتب فيجلسون مطمئنين ويتحدثون في كل شيء، ويشربون القهوة والسجاير، ويقضون الساعة والساعتين، ثم قد يشترون وقد لا يشترون، والكتب مكدسة في الدكان حيثما اتفق، فكتاب نحو بجانب كتاب تاريخ، وهو لا يعرف موضع الكتاب إلا ظنا، وقد تسأله عن كتاب فيؤكد أنه عنده ثم يصعد السلم يبحث عنه فلا يجده، ويغير موضع السلم من اليمين إلى اليسار فيبحث عنه فلا يجده، فيرجوك أن تمر عليه بعد يومين أو ثلاثة من غير اكتراث؛ ومن طول ما مارس السوق كانت عنده فراسة قوية في المشترين، شاهدته مرة وقد جاء شيخ يسأل عن كتاب فقال له ليس عندي والكتاب أمامه، فعاتبته في ذلك فعدا خلف الشيخ فناداه وعرض عليه الكتاب، فأخذ الشيخ يماكس ويمارس ويطيل المماكسة، ثم انصرف من غير أن يشتريه، فالتفت إلي وقال: صدقت؟
وله علم بالكتب وموضوعاتها وقيمتها، وله ميزة عن غيره من تجار الكتب العربية بأنه يعرف الكتب العربية التي طبعها المستشرقون في أوربة، يستجلبها في سهولة ويسر لحذقه الكتابة باللغة الفرنسية، وناشرو هذه الكتب يثقون به لصدق معاملته، كما أن له ميزة أخرى وهي معرفته بهواة الكتب من زبائنه، فهذا الكتاب يناسب فلانا، وهذا الكتاب لا يناسب فلانا وإذا أتاه كتاب حجزه للذي يظن به الانتفاع منه؛ وله في ذلك طبع غريب فهو يرضى أن يبيع الكتاب لهاويه الذي ينتفع به بجنيه، ولا يرضي أن يبيعه لمن لا ينتفع به بجنيهين. وهو مشهور بين زملائه بالزندقة، لأنه لا يعترف بالأولياء ولا بالأضرحة ولا بزيارة القبور ونحو ذلك، ثم هو لا يكتم عقيدته في نفسه، بل يكررها في كل مناسبة؛ ركب مرة قطارا من مصر إلى الإسكندرية، وجلس مع جماعة في صالون فلما وصل القطار إلى طنطا قال أحد الحاضرين: الفاتحة للسيد البدوي، فصاح هذا الكتبي: ومن يكون السيد البدوي وما كراماته وما قيمته! وطال لسانه فقام عليه الحاضرون وأوسعوه ضربا. ولم ينج منهم إلا بعد عناء. وهكذا وهكذا من فصوله الغريبة. وهو أمين صادق المعاملة يقنع بكفاف العيش، وبساطة اللباس. إن ضاقت عليه الدنيا لبس جلبابا بدل البدلة. ولم يعبأ بأسرته الكبيرة لتغير من شكله.
ولست أنسى مرة حادثا غريبا في بابه حدث لي من جراء هذه المكتبة، وبعض أحداث الدنيا يحدث على غير انتظار ومن غير سابق مقدمات. وإذا كان الموت - وهو القاضي على الحياة قد يحدث فجأة في أشد أوقات السرور، فأولى أن تحدث الأزمات مما دونه من الحوادث. لقد كان عندي كتاب «نفح الطيب» طبعة برانية وأردته طبعة أميرية، ووجدت عند صاحبنا هذا نسخة لطيفة مجلدة تجليدا فخما، فاشتريتها منه وهي أربعة مجلدات وضعتها تحت إبطي الأيسر، وأمسكت جريدة المؤيد بيدي اليمنى، وانتظرت عربة كانت تسمى عربة سوارس - عربة كبيرة تجرها الجياد من سيدنا الحسين إلى العتبة الخضراء - فجاءت مزدحمة، وركبتها فوجدت في ممشاها قففا لفلاحات وأخراجا لفلاحين ورفعت رجلي أتخطى قفة من القفف فمست سيدة جالسة تلتفع بملاءة لف وعلى وجهها برقع بقصبة، فصاحت بي وأمطرتني وابلا من السباب، فغضبت، وضربتها ضربة خفيفة بجريدة المؤيد على فمها أقول لها اسكتي، فراعني أنها صوتت صوتا مرعبا لفت كل من في الشارع، ووقفت العربة واجتمع الناس يتعرفون الخبر، ونادت البوليس وصممت عليه فنزلت ونزلت وحضر البوليس وركبنا عربة إلى القسم، ودخلنا غرفة المعاون فسمع مني وسمع منها، ورأى المسألة بسيطة فطلب مني أن أعتذر وسألها أن تقبل العذر، فلم تقبل، فألح عليها فلم تقبل أيضا، فاضطر أن يحرر بذلك محضرا رسميا، وأخذ أقوالي وأقوالها، وألحت أن تحال على طبيب المحافظة لأن بها خدشا في أنفها من ضربة الجريدة، ففعل وخرجت وخرجت مضطربا مرتبكا خجولا خائفا، فقد كان هذا أول حادث من نوعه، فلم أدخل يوما مركز البوليس فكيف والشاكي امرأة!! ولعنت الكتب ونفح الطيب وأشباه نفح الطيب مما جر علي هذا البلاء المبين، وبقيت أياما قلقا مضطربا لا أدري ماذا يفعل بي، وإذا بإعلان يجيئني بأني اعتديت على السيدة اعتداء أحدث بها جرحا قرر الطبيب لعلاجه واحدا وعشرين يوما، فاعتبر الواقعة جنحة مغلظة، وحددت لها جلسة فارتجفت وقضيت ليلة أليمة لم تذق فيها عيني النوم، وفي الصباح ذهبت إلى صديقي أحمد بك أمين أستشيره فيما أفعل فذهب معي إلى وكيل نيابة الأزبكية وقصصنا عليه الأمر، فقال إن المسألة خرجت من يده لأن القضية أعطيت نمرة خاصة مسلسلة وسجلت في دفاتر النيابة وحددت لها جلسة وأعلن ذلك كله إلى المتهم فأصبح أمرها متصلا بالقاضي وخرجت بهذه الإجراءات من سلطان النيابة.